الأربعاء، يناير 14، 2015

علي المقري.. يمن "الأخدام" والمهمشين



حين ذهبنا لإجراء هذا الحوار معه، كان الروائي اليمني علي المقري (1966) يضع لمسات أخيرة على رواية جديدة صدرت قبل أيام عن دار "الساقي" في بيروت. وللمرَّة الرابعة، اتّجه الروائي جنوباً، صوب مدينة عدَن، بحثاً عن وطنٍ لأبطال روايته "بخور عدني"، كما قال لـ "العربي الجديد".
يُحسب للمقري أنه من أبرز الروائيين اليمنيين الجدد الذين عبَروا بالرواية اليمنية إلى محيط عربي وعالمي في سنوات قليلة وروايات أقل. فقد وصلت روايتاه "طعم أسود.. رائحة سوداء" (2008)، و"اليهودي الحَالِي" (2013)، إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، وتُرجمت الأخيرة إلى الفرنسية والإيطالية، إلى جانب مشاريع ترجمة أخرى لرواياته.
اشتغل المقري في رواياته الثلاث على الآخر المهمّش في التفكير الجمعي: "الأخدام"(طبقة المهمشين في اليمن) في مجتمع متمايز، واليهود في مجتمع مسلم، والمرأة في مجتمع ذكوري، كقضايا محلية أولاً، هامشية كما يحلو للمجتمع رؤيتها، غير أنها لا تعود كذلك لدى قراءة أعماله الروائية المثيرة للجدل بتلخيصها لجذر أزمات تلاحقنا.
المقري ينوُّه بقراءة مختلفة: "ربّما تكون هناك قراءات تذهب، في بعض جوانبها، إلى تبسيط المحن الإنسانية التي يختبرها هذا النوع من الروايات، فتقصرها على قضايا محلية، كالمهمشين والمرأة. لكن العمق الذي تتحدث عنه، كما يبدو لي، لا يمكن إيجاده عبر قراءات مثل هذه. وأنا هنا لن أتحدث عن كل هواجسي الروائية أثناء الكتابة، وسأكتفي بالإشارة إلى موضوع واحد كان يشغلني حين كتبت روايتَيّ، الأولى والثانية، وهو مفهوم الوطن وتحوّله إلى محنة إنسانية، سواء كواقع معاش أو كفكرة. وذلك من خلال فئتين، "الأخدام" واليهود، تعيشان حالة نبذ في وطن لا يتحقق لهما فيه أمان العيش الحر أو حتى الشعور بأنهما في وطن؛ حيث يصل بأحد الشخوص في رواية "طعم أسود... رائحة سوداء"، إلى القول إنَّ الوطن خيانة، كما يقول سالم في رواية "اليهودي الحالي" إنَّ فاطمة التي شدته للبقاء لم تكن وطنه، بل كانت البديل عن الوطن".
تخلق رواية "حُرْمَة" للمقري معاناة موازية تولِّد بالضرورة جدلاً داخلياً لدى القارئ. وهي لا تبتعد عن سياق تفسير الصراع في بنية سردية تعرض لموضوع الجنس... وهنا يفضّل الروائي "قراءتها دون تصنيفات جاهزة تحصرها فقط في قضية المرأة"، ويذهب بنا إلى فكرة أخرى قريبة مما يمكن قراءته في هذه الرواية: "إنّ الرغبة الجنسية، وحرمان تحققها أو كبتها، مثلاً، لا تقتصر على المرأة فقط، بل يعيشها الرجل أيضاً، كما أنها ليست محصورة في المكان والزمان المشار إليهما في السرد، وإنما يمكن أن تتعداهما إلى ما لا نهاية".
وفي السياق ذاته، يقول المقري عن روايته الجديدة "بخور عدني": "يبدو بطل الرواية "فرانسوا" القادم من فرنسا إلى عدن وكأنّه يبحث عن بديل عن الوطن، وهذا البديل لا يقتصر على المكان أو على طريقة العيش فقط، بل يصل إلى التسمية المختلفة أو المغايرة لهذا المسمى وطناً. وهو إذ ظن أنّه قد صار، بوصوله إلى عدن واندماجه في مجتمع متعدد الهويّات والأعراق، بعيداً عن "الواجبات الوطنية"، فإنّه بعد فترة سيرى أن هذا التعايش وفكرة اللاوطن سيواجهان محناً لا تبدأ مع سطوة الخائفين الذين يخيفون أكثر من غيرهم ولا تنتهي بالتطرف الديني والسياسي".
وعموماً، يؤكد المقري ما يمكن استكشافه من إمكانيات جديدة في اختبار الروايات الأربع لمسائل مثل: الوطن، اللاوطن، السلطة، التاريخ، الدين، التطرّف الجهادي، التمييز، النبذ، القيم، الجنس، الحب، التعايش.
ما يربط بين شخصيات المقري الروائية هو شعورها بالاغتراب الداخلي. شعور يحيا متخفياً بانتصارات ملتبسة. فبقدر ما تحمله هذه الشخصيات من استسلام، إلا أنها تغلِّف به إدانتها للمجتمع وتكون النهايات معها مفتوحة. شخصيات ثابتة في مكانها، في انتظار شيء مجهول يغيِّر وجه الواقع.
يدافع الكاتب عن حياده في البناء الدرامي لشخصيات الرواية: "كتاباتي، كما تبدو لي، بعيدة عن هذا. فـ"الأخدام" وهم يواجهون النبذ الاجتماعي، لم يكونوا بمجملهم في حال اغتراب، أو مطمح لنصر أيضاً. فرغم هذا النبذ وقسوته، بدا سلوكهم الغجري المتمرّد على كل المحددات مبهجاً، وهو تمرّد مرادف للحياة، لا يمارَس بهدف تحقيق غاية، كالمساواة أو العدالة، أو الاندماج المحددة شروطه من المجتمع نفسه الذي ظل ينبذهم طوال آلاف السنين. وبناء الشخصيات في رواياتي يتكئ على تعدد الأصوات دون انحياز إلى وجهة ما. وقد تجد أحد الشخوص يقوم بأعمال متناقضة، أو يظهر ويختفي فجأة، ضمن أحوال سريعة التبدل وغير مستقرة، كما في "طعم أسود... رائحة سوداء"؛ أو أن البناء الفني يقتضي هذا المنحى في السرد، كما هو حال شخوص "اليهودي الحالي"، التي تظهر في زمن غير متتابع، وضمن سياق سردي يستفيد من جماليات الحوليات التاريخية العربية، دون مطابقتها".
عادةً ما يحضُر في روايات المقري من يتلو علينا كقراء بعض الحقائق... والكاتب لا يرى أن ذلك مردُّه إلى الخوف من الخيال، نافياً تصنيف رواياته بالتاريخية: "ما يمكن اعتباره تاريخاً موثقاً في رواياتي لا يتعدى بضع صفحات في "اليهودي الحالي"، وبضع فقرات في "طعم أسود... رائحة سوداء"، وإشارات في سطور قليلة في "حرمة" و"بخور عدني"، علماً أن هذه الأخيرة تتكئ على سنوات تمتد من منتصف أربعينيات القرن الماضي وحتى بداية السبعينيات".
ويعقد المقري مقارنات برواية "الصخب والعنف" لويليام فولكنر، و"مئة عام من العزلة" لماركيز، و"1948" لجورج أورويل "التي تعتمد جميعها التاريخ دون أن تصنف كروايات تاريخية؛ فالكاتب بإمكانه استعادة حدث ما سواء بنقله أو بالإشارة إليه إذا رأى أنّه يساهم في إضاءة المحنة الإنسانية التي يتناولها، ولا يعني هذا أنه فقد القدرة على الخيال. كما يمكنه أن يجلب الحاضر إلى الماضي ويضع أحداث هذا الحاضر في محك استباقي. والتصور الملحوظ هو أن الكاتب عادة ما يقوم بسرد الماضي من الآن، بل إن الحاضر نفسه يصبح ماضياً لديه وهو يكتبه، وأحياناً تبدو الكتابة عن المستقبل، أيضاً، غير مبتعدة تماماً عن الماضي، سواء القديم أو الحاضر المعاش الذي يتحول مع كل لحظة إلى ماض".
وتتداخل مستويات اللغة عند المقري، فهو يعتمد على التكثيف في الجمل الطويلة والقصيرة، ويمكن للقارئ ملاحظة مستوى آخر من اللغة يتم به تطويع المتداول اليومي واستخدامه، فيما يبدو اشتغال على ما يعد هامشاً أيضاً. وعن هذه النقطة، يقول المقري: "أحرص على أن يقترب هذا المنحى من نبرة السارد المفترض في الرواية وكيفية قيامه بالسرد، وألا يبتعد عن النبرات الصوتية للشخوص المتكلّمة وطريقة تعبيرها بالكلمات. لهذا تبدو المفردة منتقاة بحسب موقعها السردي، وقد تتداخل أحياناً عدة مستويات لغوية في السرد الواحد. فبعضها يقترب من المعاش اليومي، وبعضها ينحو إلى لغة أدبية، لكنها ليست بلاغية، وإن بدت، أحياناً، مصاغة بطريقة شعرية. فالشعرية هنا يمكن أن تتحقق في بنائها اللغوي ضمن أي مستوى سردي وبأي مفردات. ولا تعني تجلّياً رومانتيكياً، كما يذهب البعض، حين يخلطون بين العبارة الشعرية والقص الرومانتيكي".


رمزي الخالدي.. بين أصدقائه الجدد والقدامي


بمناسبة حلول الذكرى الثالثة لرحيل الشاعر اليمني رمزي الخالدي (1983 ـ 2011)، تذكّره أصدقاؤه أمس في فعالية ثقافية نظمها مركز الإعلام الثقافي في صنعاء، محتفين بصدور أعماله الشعرية "الموتى أصدقائي الجدد".
ورغم تأخر صدور هذه الأعمال التي عمل أصدقاؤه على إصدارها، وتبنّى اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين طباعتها، إلا أنَّ وصولها الآن جاء في أوانه، لتأخذ نصيبها من الانتشار مع الهدوء المتدرج للتداعيات السياسية وثورة فبراير التي كان الشاعر الخالدي شاهداً على نحو شهرين منها.
مقدّم الفعالية، الصحافي أحمد عبد الرحمن، قال لـ "العربي الجديد": "كان يفترض إصدار الأعمال قبل ثلاث سنوات، في أربعينية الشاعر، لكن ما جمعناه (من تبرعات) من بعض الأصدقاء لم يفِ حق الطباعة، فتقدمنا إلى "اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين" واستطعنا في النهاية إصدارها".
تتضمن "الأموات أصدقائي الجدد" مجموعتي "هيدرا" و"فقاعات منسية تحت شجرة الغريب"، إضافة إلى النصوص المتناثرة على المواقع الإلكترونية، خصوصاً موقع "منتدى جدل الثقافي" الذي شارك الشاعر في تأسيسه، وفي الصحف؛ كما تتضمن بعض المسودات بخط يد الخالدي التي كانت بحوزة أصدقائه أو أسرته.
في بداية الفعالية قدم الشاعر مروان الحميري مرثية لصديقه، آثر، لشدّة حزنه، أن تقرأها بدلاً منه الشاعرة ميسون الإرياني. واحتج الحميري في المرثية على رحيل الشاعر المبكر، قائلاً: "إنه لأمر قاس جداً أن أقف في لجة هذه الليلة بمحاذاة الحياة التي لم نعشها، بعد ثلاث سنوات من الوحدة والركض المستمر صوبك، وقد فقدت عكاكيز روحي، لأحدثك عن وطأة رحيلك ومعناه. لكنَّ شيئاً لم يهدِني، وسأكمل رحيلي. يدٌ حانية، كيد "عزرائيل"، هي كل ما أحتاجه الآن لتقودني إليك يا صديقي، وأقول لك بلا مقدمات: ليس جيداً أن نعيش".
وفي كلمة مختصرة، تحدّثت الشاعرة هدى أبلان، أمين عام اتحاد الأدباء ونائب وزير الثقافة، التي كان لها دور في إصدار الكتاب، عن روح الشاعر الخالدي الذي بقي، في نظرها، كلّي الحضور رغم غيابه المبكر.
من جهته، روى الفنان والشاعر ريان الشيباني في مداخلته جزءاً من حياة صديقه الذي تعرف إليه في مدينتهما تعز مع مجموعة من الشعراء، أسّسوا معاً "منتدى جدل"، الذي كان له دور في إحداث حراك ثقافي لافت حتى توقفه بسبب خلافات بينهم. ولاحظ الشيباني أن الشاعر كان حينها الأقل حركة بسبب عمله في محل لتنجيد السيارات، كان يستنزف معظم وقته؛ قبل أن يضيف: "ومع كل ذلك، كان رمزي الخالدي يعي جيداً أن مرض "تكسر الدم" يفتك به، ولذا كانت الكتابة بالنسبة له حالة سباق مع الموت".
أما الشاعر والناقد أحمد العرامي، فقارب تجربة الخالدي الشعرية في قراءة أشارت إلى مُعايشة الأخير المرض والموت على أثر إصابة أخيه بنفس الداء قبله؛ وهو ما ظهر في نصوص مثل "هيدرا".
وأكمل الشاعر وضاح الجليل ما بدأه العرامي بقوله: "لم يكن الخالدي في شعره حانقاً على الموت، فكانت نصوصه تدويناً ليوميات المرض وألمه وتصبّره في المقاومة".
تخلل الفعالية أيضاً قراءات لبعض نصوص الخالدي قدّمها آسيا ثابت وجلال الأحمدي، كما عزف الفنان محمد الهجري مقطوعة على العود أهداها إلى روح الشاعر.
حياة قصيرة، بدت أطول في عيون أصدقاء الخالدي الحاضرين؛ حياة كانت توقن أنها ستموت في أي لحظة، وربما لهذا كتب صاحبها: "حين ترتفع أسعار السلع لا أبالي/ لأني أعيش بـ"الهيدرا" فقط../ غني بحيادية تامة/ لأن الهواء ينقطع من فم الإبرة...".


____________________________


فقاعات منسية تحت شجرة الغريب
رمزي الخالدي


نسيتُ شجوني غارقةً
تحت شجرة الغريب
تحت الأدراج في منصتها الشابة
في الجوار من كُليتها الترابية
أمام طالباتها الحريريات القادمات من قُراها
قرأتُ أصوات الأنبياء المعشبين
اشتريت من موجها السائب
نعلاً
وأطوارَ باسقةً في العقل
ونسيته في شجون الزائرين.
نسيتُ قراءات الزيبق على
بِنطال شجرة الغريب
نسيتُ غيبوبتي
في ذكريات "سليمان العيسى"
تحت جذور شجرة الغريب
نسيَتْ ملائكتي هِبات الفستق الريفي
حيث نسيتُ قبل عامٍ
دموعي على شاربها الأخضر.
وسرقتُ علائق "الطاسين"
نسيتُ الماء المخلوع أسفلها
نسيتُ الأبناء الثلجيين
وخزانات الشك.
بخصركِ .. صادقت وجهي أيتها الغريبة
شرخت قلويات "بيسان"
وخلعت الأعذار لتجفَّ خلف شامات الجذر
يلم أرخبيله شاعرنا المسكين
الـ يذوي هناك
سرابي العاقل
كاعتقادك البارودي الثمل
وأعتقلك
أعتقلك يا شجرة الغريب جهراً
أنقل فقاعات جُبِّك المكسور
إلى بكارات الطالبات المنفيات
وحدقات المنسيين.

نشر في العربي الجديد

عمرو جمال: عدوّ المسرح اليمني الحُكّام والمثقّف المستسلِم



أعلنت فرقة "خليج عدن" المسرحية، في شهر مايو/أيار عام 2005، انطلاقتها بقيادة المخرج الشاب عمرو جمال، لتقدّم ستة أعمال مسرحية، تضمنت ثيماتها أفكار التغيير والانتصار على لحظات الضعف واجتراح الأمل، فكانت تلخّص سيرة واقعية: "لا تستسلم بسهولة".
يتذكّر المخرج اليمني في حوار مع "العربي الجديد" بدايات علاقته وفرقته بالمسرح وتأسيس الفرقة: "كانت جميلة وخيالية، فقبل تسعة أعوام كان مجرّد الحلم بتقديم مسرحية جماهيرية، مهمة خيالية، ورغم صعوبة الرحلة إلا أنها كانت ممتعة للغاية".
وأضاف المخرج الشاب، الذي لم ينهِ عامه الـ31 بعد: "كنا مجموعة من الشباب جمعنا المسرح المدرسي، واستمرّ شغفنا بالمسرح أيام الجامعة فقررنا تقديم "اسكتشات" صغيرة في مكان عام، وكان الوقت الأنسب لتنفيذ الفكرة فترة الأعياد والمكان الأنسب مدينة الملاهي المكتظة أيام الأعياد. فطلبنا من أحد ملاك "المدينة" أن يمنحنا قطعة أرض صغيرة لنمثل عليها... وبعد إلحاح وافق لكن بمقابل. ولأنّنا لم نكن نملك المال كان المقابل من نوع مختلف. وتم الاتفاق على تنظيف الملاهي يومياً مقابل تقديم الاسكتشات. وهذا ما حدث بالفعل".
عمرو، الحاصل على شهادة تخصّص في هندسة تقنية المعلومات، وعلى شهادة خبرة في إدارة المشاريع الثقافية من معهد KMM في هامبورج بألمانيا، يواصل التذكر: "كبر الحلم فقرّرنا تقديم أنفسنا بطريقة أخرى، ولأنّ مدينة عدن، ومدن اليمن كلّها عموماً، ليس فيها خشبة مسرح، استعنّا بدور السينما، وكانت الفكرة أن نستأجر سينما "هيريكن" بسعر رمزي. فجمعنا المال بجهود ذاتية. وقبلها بدأنا العمل على كتابة النصّ ثم الديكور وإجراء بروفات. وقدّمنا مسرحية "عائلة دوت كوم" التي عرضناها في 2005 في استعادة للمسرح الجماهيري بعد توقفه لـ12 عاماً".
كانت تلك البداية الأولى التي استغرقت مباركتها من قبل الآخرين وقتاً. إذ كانت تمهيداً ضرورياً لإيجاد كيان يجمع أحلام المسرحيين. وبعد ستة أعمال مسرحية تقف الفرقة وحيدة في الساحة الفنية. وتواصل تقديم أعمال سنوية، لتنجو من مصير التوقف الذي انتهت إليه فرق أخرى.
يُرجع عمرو جمال ذلك إلى "تقديم الأفضل والوعد بمثله، فاستقبل الجمهور منّا أفضل ما لدينا وبات يتوقّعه كلّ في عمل جديد، ليضعنا هذا أمام مسؤولية كبيرة. فتقديم الأفضل مهمة صعبة وتحتاج إلى الكثير من العمل والجهد المصحوب بالخوف والقلق".
يتذكر كيف كان محبطاً عند معرفة أنّ عدد الحضور في مسرحية "عائلة دوت كوم" وصل إلى 300 مشاهد. بعدها تضاعف العدد مع كلّ عمل قدّمته الفرقة. من "حلا حلا يستاهل" و"سيدتي الجميلة" إلى أن وصل العدد في مسرحية "معاك نازل"، المقتبسة عن المسرحية الألمانية الشهيرة "الخطّ رقم 1"، إلى 13 ألف مشاهد في عرضيْ صنعاء وعدن. وكانت بالتعاون مع البيت الألماني بصنعاء: "نجحت المسرحية نجاحاً استثنائياً إلى درجة أنّ الناس في عدن باتوا يستخدمون حوارات المسرحية في كلامهم اليومي".
عُرِضَت المسرحية في أشهر المسارح التجريبية بألمانيا، كأوّل مسرحية يمنية تُعرَض في أوروبا، ثم كانت مسرحية "كرت أحمر" آخر أعمال الفرقة.
ومع النجاحات المتتالية، يعترف المخرج بفضل شركائه الممثلين عدنان الخضر، ورائد طه، وغيرهما: "في المسرح نحن فرقة، وبقاؤنا معاً أمر ضروري للإبقاء على روح الفرقة وفكرتها، لكنّنا نطعِّم أعمالنا بممثلين من كلّ الأعمار من خارج الفرقة ونتيح الفرص للجميع".
ويحكي أنّه يشعر بالطمأنينة في وجود بعض أعضاء الفرقة "حتّى إذا لم يكن لهم أدوار فهم معي خلف الكواليس، بيننا رابط روحي محفّز".
ثم كانت الدراما بداية ثانية لعمرو جمال، ومجمل ما قدّمته الفرقة هو 4 أعمال درامية، تتطلّب أيضاً لانتزاع اعتراف الجمهور بأهميتها وقتاً: "كانت جزءاً من الحلم. صحيح تعثّرت في البداية ونصحني البعض بالتمسّك بالمسرح حين رأوا أعمالاً قدّمت فيها بصمات واضحة، لكنّ العناد قادني إلى تقديم "ع الماشي" و"أصحاب" و"حافة الأنس" وأخيراً "فرصة أخيرة" الذي اختير أفضل مسلسل للعام 2012 في استبيان لقناة السعيدة... أنا لا أستسلم بسهولة".
ربما ما يزعج عمرو أكثر من الصعوبات التي تغلّب عليها مع فرقته، وبعد كلّ هذه السنوات، هو "وضع الفنّ، وأعداؤه الرسميون: الحكومات المُتتالية". وبالنسبة له فهم نوعان: حكّام "واعون" و"جهلة". ويضيف: "الواعون منهم يعرفون تأثير الفنّ الكبير والمهم، وذلك ليس في صالح فسادهم، والجهلة منهم يعتبرونه رفاهية، والنوعان يمثلان مصيبة المصائب في المشهد الثقافي والفني اليمني".
 كذلك يضيف إليهم عدواً آخر يعتبره أشد خطراً: "هو المثقف والفنان الكسول والمستسلم والسهل، وبين هؤلاء الشعب متعطّش للفنّ والثقافة، ودليل ذلك نسب المشاهدة العالية للمسرح والتلفزيون".
أما انزعاجه الآخر فيأتي من: "جو عام مؤلم ومرهق نفسياً وفنياً". ويتأسف: "لعدم وجود جيل شاب متحمس بالشكل الصحيح. فمعظم الفرق المسرحية والفنانين الشباب يئسوا من محاولة أو محاولتين. ويجب عليهم أن يفهموا أنّ الطريق وعرة والفنان الحقيقي لا يستسلم بسهولة".
وتابع "يؤلمني عندما نغيب سنة أو سنتين عن المسرح ولا نجد من يسدّ الفراغ فأحسّ بأنّ رسالتنا منقوصة ولم نحقّق ما كنّا نطمح له في خلق حراك فنيّ حقيقي".

نشر في العربي الجديد

الثلاثاء، يناير 28، 2014

زعيم على نفسه





لا تجتهدوا كثيراً في تفسير ما يفعله وما يقوله علي عبدالله صالح، فهو مخلوع لتوّه من أعلى منصب في الجمهورية اليمنية دام فيه لـ 33 سنة.. ولا ترهقوا أنفسكم في البحث عن معنى لكلامه أو عمّا وراء المعنى، فهذا هو علي عبدالله صالح، الذي لا يتورّع عن قول أي شيء، والرجل المغرور الذي يكثر في حديثه من أنا ولا يصدُق ولا يحفظ عهداً.
دعوه يقول كل ما لديه، وليهدد ويتوعد ويمارس تضليله المتواصل بالحديث عن القاعدة وعلي محسن والمشترك والإصلاح وصادق الأحمر، وليصف شباب الثورة بالبلاطجة وقطاع الطرق والعملاء، أما أنتم فابتسموا ابتسامة العظماء وتذكروا، “وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً”، والجاهل هنا ميكافيلي الهوى والهوية، والغاية لديه تبرر الوسيلة، كما أشار في أحاديثه الكثيرة.. دعوا أوداجه تنتفخ ويسوَّد وجهه ويكرر كلمة “سنتحداكم” لأكثر من ثلاث مرات، ليكون أسداً علينا وفي الحروب نعامة.. وليكرر بأن له فضلاً علينا وعلى الوطن، وليس للوطن أي فضل عليه، فهو الوطن طن طن طن.. اتركوا قنواته تقول عنه: “فخامة الزعيم علي عبدالله صالح”، ولا تطلبوا أدلة تثبت زعامته، ولا تتحدثوا عن أنكم لم تروا في تاريخ العالم أحداً يقول عن نفسه زعيماً أو يقول عنه أهله زعيماً، وإنما الزعيم يسميه التاريخ وينصفه حين تبقى آثاره وتراثه وفكره شهوداً عليه، والزعيم هنا برميل فارغ يحدث ضجيجاً، وإن صمت فلن يأبه له أحد.
مشكلة علي عبدالله صالح، ومن حوله أنهم يصرون على تجيير وطن بأكمله وشعب عظيم بتاريخه وحضارته لصالحه، وهم يضعون زعيمهم بكفة والوطن بكفة.
 ولو حسبناها بطريقة المكسب والخسارة، فلا يمكن لشعب أن يهزمه أشخاص هم يعرفون وفي قرارة أنفسهم أنهم مهزومون.
2
برأي المبعوث الأممي إلى اليمن جمال بن عمر فإن المرحلة الانتقالية في أي بلد في العالم لابد أن يحدث فيها بعض الاضطرابات كنتيجة طبيعية للدخول في مرحلة جديدة، فيظل الناس يحاولون الإجابة على تساؤل كيف يمكن التعامل مع الماضي؟.
ومن هنا يجب طرح الإجابات والخيارات والبدء بالفعل والتقدم إلى الأمام؛ لنتدارك أي تداعيات قد تضاف إلى غيرها سابقة وننجز في حل مشكلاتنا العظيمة والمتضررين منها، وأن نظل نراوح مكاننا وننسى لحظة التغيير التي سكنتنا فنستبدل الشعور العميق بداخلنا بالأمل والتفاؤل باليأس والخوف من المواجهة، ودافع العمل والبذل بالكسل والأنانية والإحباط.. هؤلاء هم من يريدون إبقاءنا في مرحلة ما قبل الثورة بمسرحيات هزلية لن تنتهي ولن ييأس أصحابها من أدائهم الممل، رغم تفرق الجمهور وطلوع الفجر.
فمثلاً يأتي رئيس سابق مخلوع طالما قال: سنواجه التحدي بالتحدي، وهو مازال رئيساً ليقول وهو مواطن عادي غير صالح: “سنتحداكم”، ويأتي ليقول: سوف يكشف أوراق الربيع العربي - وخاصة في اليمن - وهو في مقام المكشوف.
وها هو يفي ولأول مرة بما وعد حين قال: “باعلمكم الزعامة باعلمكم القيادة”، ويعطينا أول درس في “الزعامة”، وهو أن يكون لديك قناة أموالها من أموال الشعب، تنقل خطاباتك الموتورة وتكتب أسفل الشاشة “الزعيم فلان الفلاني”.
 يالها من مسرحية هزلية هذه المرة! ويجدر أن يكون عنوانها “زعيم على نفسه”.

الخميس، فبراير 24، 2011

فضائل يناير


لي حلم طالما راودني ولا يزال: أن أرى اليمن مستقرا بالعدل يعيد الاعتبار لمعنى المواطنة والمساواة. ومازال الحلم يعاودني عند كل نازلة أو حدث فها أنا أتمنى اليوم أن يتفق أطراف العملية الحزبية ويعودوا إلى طاولة الحوار والتحلي بالكثير من الصدق والشجاعة للعمل على التغيير، كان حلمي يلح علي وقت ثورة مصر بالتحديد والتي بدأت في 25 يناير الأسبوع الماضي وبعد ثورة تونس التي انتهت في 14 يناير يبحث عن سبب يخص اليمنيين للاتفاق.

لأنه باعتقادي أن لليمن ظروفه الخاصة لكن رياح التغيير في مصر دفعت العجلة بقوة أكثر مما دفعته ثورة تونس لقد كانت مصر هي التأكيد للأمل كانت هي التأكيد على القدرة. بالنسبة لي كان الأمر متوقعا أن تكون مصر هي التالية بعد تونس، فقد رأيت لسنوات شبابا يحلمون بالتغيير وهو الشباب الذي لا يعرف السياسة بمعناها التنظيمي، والذي يجتمع بشكل متواصل للحديث عن الهموم الخاصة والتي تنطلق إلى العام، وهم الشباب الذي أراد أن يردم الفجوة بين شعوره بالانتماء العميق لبلد عظيم صنعه أجداده العظماء وبين حال متخلف يعيش فيه.

لقد كان ذلك الشباب يؤمن بالتغيير وعندما تحققت لحظته أمسك بها بقوة، رغم محاولاته المتواصلة لتقديم تلك اللحظة عن طريق التعبير عن الرأي في المدونات الإلكترونية وعلى موقع الفيس بوك والعمل الدؤوب لتحقيق الحلم بشتى الوسائل. حتى الآن ينتصر ذلك الشباب ينتصر الشعب، ومهما كان الذي سيخرج به من هذه الاحتجاجات المستمرة، فإن مصر بعد الآن هي مصر الجديدة التي أرادها الشباب والتي تحقق رؤيته وذاته.


هنا في اليمن يتقاطع الشعب اليمني مع المصري في كونه يشعر بقوة الانتماء العميق أيضا إلى هويته اليمنية العظيمة والتي رغم ما قد يقال حول ذلك، قد تظهر في أي لحظة حاسمة لتكشف عن نفسها، فاليمن أصل العرب واليمني هو صانع الحضارات الأولى على وجه الأرض ورغم القليل الذي يتاح له إلا أنه يثبت أن يقطع المسافات الطويلة بوقت أقصر. مايحدث في مصر وقبلها في تونس تجعل منه يتوق للتغيير كما يحدث في كل البلدان العربية. ليس من الضروري أن تتطابق التجارب في التغيير لكن يمكن لهدفها أن يكون واحدا، فقد يختلف أسلوب التغيير في اليمن وطريقته نظرا لظروفها مع الأخذ بالاعتبار أن الأحزاب في اليمن لها تأثير في الشارع بما يميزها عن غيرها من الأحزاب العربية، وجاء هذه التأثير على حساب تأثير الشباب، وجاء ضعف الأحزاب في مصر وتونس لحساب الشباب المستقل هناك فهو الذي يقود الأحزاب.


لقد هبت رياح التغيير فعلينا جميعا أن نستلهمها بشروطنا الخاصة مع التأكيد على جانب آخر أن تلك اللحظات قادرة على المفاجأة وكسر التوقعات فالشعوب حين تطلب أحلامها بشغف ستموت مطمئنة لأجلها وأمامها يتحول القوي إلى ضعيف وهذا ما يقوله التاريخ، وما تقوله تجربة تونس ومصر أنها قادر على إرباك كل شيء.


لقد حملت احتجاجات مصر وتونس رسائل لكل الأطراف وأعلنت للشعوب العربية جمعاء والتي تتهم بالتخاذل ويساورها الشعور بالنقص قائلة: أنتم أقوياء ومصيركم بأيديكم والحرية لا تدرَّس في المدارس بل يرضعها الناس في حليب الأمهات.


ورسالة للحكام العرب الذي طال بهم الأمل وغفلوا عن شعوبهم أن عليكم أن تغيروا قبل أن تتغيروا بل أجبرتهم هذه التجارب واللحظات القليلة على تغيير ما لم تقدر على تغييره المعارضة خلال سنوات طويلة من العمل الحزبي. وهي رسالة للجماعات المتطرفة التي تعتقد أنها وكيلة الشعوب في التغيير بالعنف والقوة، فالشعوب في نظرهم غارقون في الضلال، وهي رسالة للقوى الكبرى منها إ سرائيل والمصفوعة بالمفاجأة أكثر في ثورة تونس نحن لا حكامنا نملك الأرض. هي رسالة أخرى للمعارضة التي تسعى لتكون في مكان السلطة.


وبما أنها أيضا تجارب جديدة لم تحدث من قبل فرسالاتها هي الأقوى، من حيث إحداث توازن في علاقة الشعوب بحكامها التي من الأفضل الحفاظ عليها متوازنة لأن الحكام غالبا هم عرضة للنسيان. وبإمكاننا أن نستدل على ذلك من خلال ماحدث في الجزائر في آخر خبر وهو إلغاء حالة الطوارئ وإجراء بعض الإصلاحات، وماحدث في الإردن من حل للحكومة، وفي الكويت تم صرف 1000 دينار لك مواطن، وفي موريتانا تم الحديث عن بعض الإجراءات الإصلاحية.


أما في اليمن فقد أعادت هذه الاحتجاجات الحاكم إلى طاولة الحوار وقدم تنازلات على حد تعبيره لا يراها عيبا من أجل مصلحة الوطن نتمنى أن تتحول إلى أفعال لأن الاعتماد على الكلام عواقبه وخيمة، تستطيع الأحزاب الآن الطرف الآخر العمل بطريقة جديدة بتفكير جديد مقابل ما تعتمده السلطة من طرق جديدة وأخذ المبادرة في ذلك. للدفع بالحاكم ليسير في الإجراءات. فإذا كنا نقول أن هذه الأحداث ستغير تفكير الحاكم فلا بد أن تغير تفكير المعارضة. أعتقد أننا الشعوب العربية بحاجة للعمل على ضمان الانطلاق في إي تغيير انطلاقا من خصوصيات كل شعب. وبحاجة لكل الأطراف أن يتعاونوا في ذلك وليس علينا الحديث عن النتائج فكلها تبقى في إطار التوقعات: ففي اليمن ربما من الأفضل بقاء الرئيس صالح، وربما إذا خروج الناس إلى الشارع طلبا للتغيير ضربوا أروع الأمثلة في التضحية والوفاء. وهذا أصل هذا الشعب) وربما تحولت القبيلة التي ينظر لها البعض كعقبة إلى حامية لهذا البلد وربما وربما. فلحظات التغيير لايمكن التنبؤ بها بل أساسها المفاجأة، جعلها الله مفاجآت سارة ولا حرمنا الله من فضائل يناير تلك التي أحيتنا وطهرتنا والفاتحة على أرواح الشهداء.


الخميس، سبتمبر 16، 2010

في ذكرى البردوني






في مهرجان الموصل كانت هناك أصوات تتساءل ما الذي سيقوله هذا؟ وكان الشاعر الفلسطيني معين بسيسو أكثر وغزاً بالبردوني


يقول أستاذ اللسانيات المفكر التونسي د. عبدالسلام المسدي في كتابه "نحو وعي ثقافي جديد"، ما من سياسة زهدت في حرية الفكر إلا ظلمت نفسها بنفسها، فحرية الرأي هي التي تستصفي النقد، والنقد هو الذي يحمي السياسة من الفشل، والنقد هو الذي يحمي النجاح من الغرور.يحضر ما قاله المسدي في الذكرى الـ11 للشاعر العظيم عبدالله البردوني. فقد كان في شعره كما هو في فكره ناقدا لا يكل... ماذا لو صدق السياسيون ما تنبأ به البردوني حول الوحدة منذ قامت في أكثر من حوار معه، لربما كانت أيامنا هذه بلا حراك.في الذكرى الـ11 ما زال البردوني يتردد في ذاكرة من أحبوه رمزاً لتطلعاتهم، وفي ذاكرة من كرهوه موقفا جليا لا يعرف المساومة. في الذكرى الـ11 ما زال البردوني يحملُ مصباحه من بيت لبيت ليضيء.. محتشدا في الشعب الأستاذ والجندي وقائد الجيش والعامل والفلاح والثائر والعاشق. ألا يكفي أن البردوني جعل اليمانيين ينامون وهم يحبون ذاتهم.في الذكرى الـ11 لوفاة البردوني لا شيء يثير الألم أكثر من بلدٍ أشاح بوجهه عن البردوني، فأعماله التي تركها تعجز الدولة، بقصد أو دون قصد، أن تقوم بحل إشكالية بين ورثته أو إشكالية أخرى تبدو جلية في عقلها. كأننا بحاجة لتبني مبادرة لحل هذه المعضلة والبدء بنشر أعماله المعدة للنشر "الجمهورية اليمنية"، رواية "العم ميمون"، "المؤسسات الثقافية في اليمن"، "الجديد والمتجدد في الأدب اليمني"، وديواني "رحلة العشق علي مرافئ القمر" و"ابن من شاب قرناها".تحاور "النداء" الأستاذ عبدالإله القدسي أحد من كانوا يقرؤون ويكتبون للشاعر الكبير عبدالله البردوني، عن فترة عاشها مع البردوني قارئا وكاتبا له، وعن بعض المواقف التي عايشها معه. وهو من مواليد مدينة الحديدة، خريج الاتحاد السوفيتي سابقاً، يحمل درجة الماجستير في علوم الصحافة والآداب عام 1986.
*كان دائماً يقول: علي أن أقول كلمتي وهي تستفز وتقاتل إذا انتصرت لا أفرح بانتصارها وإذا سقطت لا آسف على سقوطها" ولم يكن يجامل أحداً كما لم يكن فجاً* له محاضرات ألقاها في اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين لم تنشر على الإطلاق وهي مسجلة لديهم، رغم أن نشرها مهمة الاتحاد

* حوار: محمد الشلفي

> " كيف بدأت علاقتك بالبردوني؟
- صلتي بالأستاذ عبدالله البردوني منذ أواخر 67 بعد أن منيت الأمة العربية بهزيمة نكراء. كنت هنا في صنعاء أدرس وتعرفت عليه. قبلها كنت أتابع مجلة الفكر والأدب في إذاعة صنعاء، كان عمري 12 سنة، وكان على معرفة وثيقة بأبي، لهذا تآزر التعارف من خلاله. كنت أحد قرائه إذ كان يقرأ له سابقاً على الملالي، محمد علي المهدي، والعزي الشاطبي، وكان صديقه.

> ما كان أول كتاب قرأته له؟
- "الشعر اليمني قديمه وحديثه"، وكانت الطبعة صادرة على دار الجماهير العراقية.
>
كيف كان يقضي يومه؟
- يستيقظ صباحاً الساعة الـ6 يتابع الأخبار كإذاعة الشرق الأوسط، تأتي في الصباح باقة أخبار ثقافية؛ ما الذي استجد في الجانب الثقافي لأدباء كبار في مصر. يتابع أخبار المهرجانات الأدبية التي تعقد، فكان يعرف أخبار طه حسين، العقاد، حافظ إبراهيم، وصلاح عبدالصبور. كما كان يتابع الأخبار السياسية عبر إذاعة لندن، الكويت. بعد سماع الأخبار يتخللها تناول الفطور، ثم يبدأ بالقراءة بين الثامنة والثامنة والنصف، وتنتهي الفترة الساعة الـ12 ظهراً، بعد ذلك الغداء، ثم -وهذا عندما كان يتعاطى القات- يبدأ بسماع الأخبار من إذاعة صنعاء التي كانت تبدأ البث في الساعة الـ2، الساعة الـ3 يبدأ القراءة مرة أخرى حتى المغرب، بعدها تكون صلاة المغرب ثم العشاء، ثم قراءة إلى الساعة الـ12 ليلاً، وكانت تتعدى إلى الساعة الـ3 صباحاً، لكن بعد أن امتنع عن القات لفترة طويلة كان ينام حتى الساعة الـ5 بعد الغداء. وكانت القراءة وجبة يومية. كانت متنوعة في الجانب السياسي، الثقافي، والتاريخي.
> ماذا عن نشاطه الثقافي؟
- عندما يستضيفه اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين كان هو من يختار مواضيع محاضراته، فيأتي عصراً يشغل حيزاً كبيراً جداً من الوقت في إلقاء محاضراته، أعتقد أن له محاضرات كثيرة لم تنشر على الإطلاق في الصحف ولا في المجلات في اتحاد الأدباء، وهي مسجلة في اتحاد الأدباء وموجودة لكن لم ينشرها رغم أن نشرها مهمة المسؤول الثقافي في فرع صنعاء في اتحاد الأدباء، وربما تكون الأمانة العامة منوطة بطبعها، خاصة أن أ. عبدالله البردوني من المؤسسين وأول رئيس لاتحاد الأدباء والكتاب في اليمن.
> ما هي الكتب التي أملاها عليك؟
- لم أكتب له كتاباً كاملاً، كتبت فصولاً، شاركت في كتابة بعض الفصول الأولى من "اليمن الجمهوري"، فصلين في "قضايا يمنية"، وفصلين من "رحلة في الشعر اليمني قديمه وحديثه".
> كم كان يستغرق تأليفه للكتاب؟
- كان الكتاب يتألف من مجموعة أبحاث ودراسات تم نشرها، ثم يقوم بإعادة صياغة أجزاء منها ويضيف إليها وينقحها وينشرها ككتاب، ما عدا كتاب "رحلة في الشعر اليمني" لأنه كان لديه مجموعة كبيرة جداً من الجرائد والمجلات التي يحتفظ بكتابات الأدباء اليمنيين مثل القرشي عبدالرحيم سلام، محمد عبدالله غانم، لطفي جعفر أمان، محمد الشرفي، عبدالرحمن قاضي، محمد سعيد جرادة، وتناولهم نقدياً. وقد أغضب ما كان يكتبه البردوني في النقد بعض الكتاب، وكان دائماً يقول: "علي أن أقول كلمتي وهي تستفز وتقاتل إذا انتصرت لا أفرح بانتصارها وإذا سقطت لا آسف على سقوطها". كان لا يجامل أحداً على الإطلاق، وأسلوبه ليس فجاً. وكان يتهم بأنه "حاطب ليل" مزاجي، وبأنه لا يرى شيئاً، وكان يطلع على الكتابات تلك ويرد عليها بأسلوب غير مباشر.
> عندما كنتم تكتبون له هل كان يأخذ برأي من يكتب، أم كنتم تهابون إبداء رأيكم باعتباره البردوني؟
- كان يقبل الملاحظات، كنت أكتب له، ثم يسمع ما كتبت ليتأكد مما كتبت. وكان دقيقا في هذا الأمر. ثم إذا كان هناك ملاحظة أقول له فيقبل. من الملاحظات التي كان يكتبها خصومه أنه ليس مؤرخا، وكانوا يريدون أن يقول في الساعة كم حدث، وهذا ما لم يحدث عند المؤرخين جميعهم.
> أنت كنت بصحبته في مهرجان الموصل، ما الذي حدث؟
- أرسلت دعوة للأستاذ البردوني من القائمين على مهرجان الموصل، كان ذلك في عهد الإرياني في 1971. كان هناك أصوات في الاحتفال تتساءل ما الذي سيقوله هذا؟ من منطلق هذا الزخم الثقافي الكبير والشخصيات التي حضرت صلاح عبدالصبور، نزار قباني، الجوهري، صالح جودت. حينها كان الشاعر الفلسطيني معين بسيسو أكثر الناس وغزاً للبردوني، يهمز ويلمز أمام بعض الأدباء، ولم يكن البردوني مكترثا. كان ترتيب اليمن هجائياً في النهاية، وحدثت التغيرات وتقدمت اليمن، فبدأ يلقي قصيدته المعروفة "أبو تمام وعروبة اليوم"، وكانت بدايتها:
ما أصدق السيف! إن لم ينضه الكذب
وأكذب السيف إن لم يصدق الغضبُ
بيض الصفائح أهدى حين تحملها
أيد إذا غلبت يعلو بها الغلبُ
وأقبح النصر... نصر الأقوياء بلافهم.. سوى فهم كم باعوا... وكم كسبوا
أدهى من الجهل علم يطمئن إلى
أنصاف ناس طغوا بالعلم واغتصبوا... إلخ.
صفق الحضور بشدة. وطلب الحضور في القاعة الإعادة أكثر من مرة حتى قال لهم "أنتم تدعونني إلى الانتحار". هذا المهرجان كان مرحلة جديدة جعلت البردوني أكثر شهرة مما كان عليه. بعدها صعد نزار ليقول ما معناه أن الإلقاء بعد البردوني انتحار، ولم يلقِ قصيدته.كما قلت كان معين بسيسو أكثر لمزا بالبردوني، وفي ما بعد جاء مع ياسر عرفات إلى اليمن، وكان معين محسوبا على حركة الثورة الفلسطينية، ووقتها كان المستشار الثقافي لعرفات. وجاؤوا حينها لإعادة انتخاب اتحاد الكتاب الفلسطينيين، ولقي البردوني معين بسيسو فقال له: "أنا يا أخي العربي صحراء، وتحت يدي سلاحي"، أين سلاحك يا معين؟ كان يريد أن يقول له أن يتابع كتاباته، وقرأ له نصوصاً كثيرة، وكنت ألاحظ الوجوم الخجل يعتري وجه معين بسيسو، فقال له الذي حدث ذهب، ورد عليه البردوني أنا لا أسألك عن أمسك، بل إنك أنت وليد لحظتك هذه. وهذا من العتاب الجميل.
> ما قصة قصيدة "الغزو من الداخل"؟
- بدأت القصيدة تنتشر، كانت هذه القصيدة ستمنع، لكن إبراهيم الحمدي رفض ثم في عهده طبع الديوان، قال لهم إبراهيم الحمدي دعوها، حتى عندما قال عنه "جبينه دبابة واقفة" في قصيدته خطاب 13 يونيو حزيران لم يحذف منها شيئاً، وقال دعوه يقول ما يشاء يريده، ولم تكن هناك أية رقابة.لم تخضع أعمال البردوني للرقابة كما حدث في عهد الرئيس علي عبدالله صالح وعلي ناصر محمد في كتابه "اليمن الجمهوري" سنة 1982، ثم تراجعوا بعد أن وزع كتبه في عدن وفي الشمال مجاناً دون بيع.ولما كان عهد إبراهيم الحمدي من 74 إلى 76، كانت ممنوعة كتب: "لعيني أم بلقيس"، "السفر إلى الأيام الخضر"، و"قضايا يمنية" من دخولها إلى السعودية، لكن الكتب كانت مطلوبة من الناس، وكان اليمنيون في السعودية يشترون هذه الكتب من صاحب مكتبة الثقافة أمين مستور، كانت رخيصة، وقد عرفت أن مثقفاً سعودياً كان مستعداً أن يدفع 3000 ريال سعودي.
> لكنك لم تتحدث عن قصة هذه القصيدة..
- دعي البردوني لعيد الجلوس للملك فيصل، وكان في نادي الضباط عام 1973، من قبل جهات رسمية يمنية وسعودية. كانت ذا وقع كبير، وكان معتدا حاملاً معه بطانيته فقالوا له إلى أين؟ قال إلى السجن أو إلى المشنقة. وكان بحضور رئيس الوزراء عبدالله الحجري والحمدي. وأعقبت هذه القضية كثير من الغضب، وكان الحمدي يقول جاء حراً ويذهب حراً، وهذا ما حدث.
> ما الذي كان يشغل البردوني؟
- هو أن يتقدم اليمن، وأن تكون دولة مؤسسات حقيقية، وأن يكون النظام مدنياً منفتحاً، وديمقراطياً حقيقباً. كان البردوني يركز على الجانب التعليمي، وكثيراً ما انتقد التجهيل. كان البردوني ضد الانقلابات، كان يريد ثورة شعبية تخرج، كان تحريضياً، وكان له موقف من الوحدة، والثورة، يقول: أيها الآتي بلا وجه إلينا/ لم تعد منا ولا ضيفاً علينا.
> هل كان البردوني يخاف؟ وهل رأيته يبكي؟
- لا، لم يكن يخاف، ولم أره مرة يقول ذلك، ثم إنه كان إنسانا حساسا فقد بكى على إبراهيم الحمدي وشاهدت أناته، بكى لفقدان أعز الناس إليه زوجته، وقتها تقلب فوق الحصى باكياً. بكى على عبدالسلام الدميني.
> كان ناقدا لا يتواني عن قول رأيه، بالمقابل هل كان يتقبل النقد مثلما كان ينتقد الآخرين؟
- كان ديمقراطياً وكان يقبل النقد. أذكر ذات مرة كنا في اتحاد الأدباء وكان يلقي محاضرة في شعر الحضراني، فوقف عبدالله هاشم الكبسي يقول للبردوني أنت قلت عن هذه الأبيات من بحر المنسرح، وأنا أقول إن هذه من البحر الخفيف. هذه حدثت فعلاً ولا أحد يستطيع أن ينكرها، منهم عبدالله هاشم الكبسي. لم يرد عليه البردوني سوى بـ"شكراً". لم يكن البردوني يغضب أو يحنق، وكان عبدالله هاشم الكبسي على حق. وهذا لا يغير من مقام البردوني شيئا.
> ترك البردوني مجموعة من المخطوطات التي لم تنشر من قبل، البعض يقول إن عدم نشرها بسبب خلافات الورثة، والبعض يقول إن جهات صادرتها يوم موته من منزله.
- الأستاذ عبدالله البردوني كان يحتفظ بما نشره أو ما هو معد للنشر في دولاب والمفاتيح مربوطة على خصره لا يعطي المفتاح أحدا. الذي أعرفه من الكتب الجاهزة للطباعة هي "الجمهورية اليمنية"، وهو كتاب يوضح موقف البردوني من الوحدة، انتقد بعض الظواهر السلبية في الحكومة الانتقالية، ومهما اختلف معه فذلك رأيه.الكتاب الثاني رواية "العم ميمون"، الكتاب الثالث "المؤسسات الثقافية في اليمن"، الكتاب الرابع كان أقدمها وكان يؤخره حتى يتواصل مع إبداعات الجيل الجديد، عنوانه "الجديد والمجدد في الأدب اليمني"، ثم ديوان "رحلة العشق على مرافئ القمر" وديوان "ابن من شاب قرناها"، وفيه أحدث قصائده.
> أين ذهبت هذه المخطوطات؟
- نحن، وبعد مراسم دفنه، سألنا زوجته فقالت إنها سلمت المخطوطات لجهات نافذة في الدولة.> من كان حاضراً معك حينها؟
- أمين العباسي، الحارث بن الفضل، الشاطبي، محمد شرغة.. كما تحدثت هي في أكثر من وسيلة إعلامية.
> إذن لا دخل للورثة بتأخر طبع الكتب إلى اليوم؟
- بعدها حدث خلاف حول البيت، وقد كانت الوثائق أثبتت أنه باسم البردوني لا باسم زوجته. والمتداول الآن أن البيت تم حجزه بما فيه الإرث الثقافي تم ربط المخطوطات بالبيت. لكن مع ذلك إذا صح ووجد خلاف بين الورثة بخصوص إرثه الثقافي، فالدولة قادرة على حله إذا كانت تحترم قامة كالبردوني. الدولة لا تهتم إلا بقطاع الطرق، أما أن تهتم بالشخصية العظيمة البردوني الذي احتشد الشعب فيه.
ما الذي جناه البردوني حتى يعاقب بهذه الطريقة، ويقابل بالنكران، فلم يتحول منزله إلى متحف، وإن أحييت ذكرى أخذت طابعاً إعلامياً دعائياً.
إذا كانت الدولة تحترم البردوني فليفرجوا عن موروثه الثقافي الموجود لديها، ونتمنى ألا يتم خدش أو إلغاء أو تشويه المخطوطات التي تركها البردوني، ولم نتأكد من مصيرها، لأن البردوني بأسلوبه معروف للصغير والكبير.

الأربعاء، سبتمبر 15، 2010

صنعاء


صنعاء في فسحة، يفصلها يوم واحد عن الاختناق بالسيارات والناسْ !
لا يجدي البحث عن صنعاء الجديدة مصورة ، هكذا يطغى الماضي على الحاضر في اليمن، لكن هل هناك جديد يمكن الإشارة إليه في صنعاء الجديدة، ربما !


أجهلك يا بلدي، إلا أن جهلي يثمر حباً !






الخميس، سبتمبر 09، 2010

معايدة

بعد انقطاع لأسباب فيسبوكية بحتة أشتاق


كل عام وأنتم وأنا والمدونة بخير.

الأحد، يونيو 06، 2010

أين أنت الآن



بين العرض الأول والثاني للمسرحية الصامتة "أين أنت الآن" للمخرج الشاب خالد اليوسفي.. يمكن أن يلحظ المشاهد أمرين أن عرضها الأول كان مؤثرا أكثر من الثاني لقد أدى الممثلون جميعهم أداء مدهشا ينعكس بذلك على وصول فكرة المسرحية بحركات لا يشوبها الكلام. يضل المشاهد يتبع أحداث المسرحية بصمت كما هو حالها حتى يصل به ذلك الصمت إلى المعنى الذي يريده المخرج، حالة من المتعة تصبحه كلما تطور الحدث فتتضح الرؤية لديه وهو هنا لا يريد سوى الصمت الذي يمنحه فرصة اختبار قدراته على الاكتشاف.
كان المخرج والمؤلف الشاب موفقا في اختيار المكان والشخصيات فيبدو الحدث مؤثرا من خلال كل ذلك (حديقة، أطفال،آباء، أمهات، قصة حب في بدايتها )مكان ممتلئ بالحياة ثم بعدها يصبح المكان "مدمرا" بفعل انفجار، ولا يبقى حيا سوى شخص كان يفترض أنه بدأ قصة حب مع فتاة لم يدر كيف أصبح مصيرها. وعلى المشاهد أن يحزر مالذي حدث وكيف ومن يكون وراء الانفجار ؟ وكل حسب خلفيته الثقافية.
لا يكتمل الحدث هنا، فيدخلنا المؤلف في مشهد أكثر عمقا، لقد عادت الروح لكل الذين اختفوا جراء الانفجار، يعلق المخرج الشاب اليوسفي في أحد حواراته أن المعنى إعادتهم للحياة ليعيش معهم الشخص الذي نجا من الحياة اللحظات التي عاشها من قبل لكننا لا نعرفها إلا بعد أن يحدث الانفجار، لتكون الجملة الوحيدة التي تحدث بها شخصيات المسرحية هي "أين أنت الآن" وهو سؤال لا يخرجنا عن صمتنا الذي توحي لنا به المسرحية.
وقد يكون هناك تفسير آخر هو أن إعادة الروح لهم نقطة الانتهاء ليكملوا الحياة، بمعنى ماذا لو أكمل الجميع حياتهم دون أن يتسبب جماعة من الناس في موت آخرين ودن ذنب.
في العرض الثاني لذات العمل بعد العرض الأول والذي كان في فبراير ضمن مسرح الأربعاء أيضا ، تقدم المسرحية بتغيير بسيط فالأب الذي كان في العرض الأول يحمل جيتارا ويعزف عليه بصمت أمام أطفاله وزوجه، وهنا يمنحنا مهمة مراقبته دون أن يعي وجودنا. يتحول في العرض الثاني -في شهر مارس- إلى مغن بصوت مسموع متجها إلينا، ليفسد متعتنا بمراقبته دون أن يدري ويجعلنا نتوقف عن اللحاق بالفكرة الغامضة بترتيب متصاعد. وهنا تسقط اللذة التي تحدثت عنها لذة الاكتشاف ولذة الصمت. لقد كان العرض الأول مدهشا بحق المكان ممتلئ بالحياة ونحن نشاهد، نتماهي مع شخصيات المسرحية، ثم كما غمرتنا الحياة فجأة ينقلنا الانفجار إلى الموت دون أن ننسى الحياة. تفزع قلوبنا لندرك أي يد آثمة قتلت من لا ذنب لهم، وبعدها قد نتساءل عن هؤلاء بطريقة ثانية وثالثة ورابعة، كل على حدة، "أين أنت الآن "
ملاحظة
كنت أعتقد أن العرض الصامت " أين أنت الآن" هو أول عمل من نوعه في اليمن لكن الذي يتتبع حركة المسرح في اليمن وفي عدن خصوصا سيجد أن هناك عروضا صامتة قدمت وإن كانت قليلة.

الأربعاء، يونيو 02، 2010

إبراهيم نصر الله "دمهم"


دمُهم صباحُ الخيرْ
دمهم مساءُ الخير
دمهم تحيتُهم .. رسالتُهم إلينا
دمهم حكايتُهم .. وخوفهم علينا
دمهم مساجدُهم .. كنائسُهمْ
نوافذُ دورِهمْ
دمهم محبتُهم وغضبتُهم
دمهمْ عتابٌ جارحٌ
دمهم فضاءٌ فاضحٌ
دمهم حكايةُ أمّهمْ لصغارهِا
دمهم رسالةُ وردةٍ لرحيقها
دمهم طيورُ بلادهم ورياحُها
دمهم معاركُهم .. وهدنتُهم
وطرفتُهم إذا اندفَع الغزاةْ
دمهم ذراعُ صلاتِهمْ
دمهم صلاةْ
***
لم يتركوا شجرًا يعاتبهم
ولا قمرًا على شرفاتِ منـزلهمْ
ولا أغنيّةً عطشى لأنهُرهمْ
لم يكسروا أُمنيّة سكنتْ عيونَ صغارِهمْ
أو خاطرَ الزيتون فوق تلالهِم.. .. ..
هُمْ أصدقاء البحر
هم أصدقاءُ النهرْ
هم أعينُ الزيتونْ
هم زهرةُ الحنّونْ
هم خُضرةُ الأشجارْ
وطفولةُ الأنهارْ
هم قِبْلةُ الشعراءْ
وذخيرةُ الفقراءْ
هم شارعٌ في الفجرْ
هم ضحكةٌ في الصخرْ
ووضوحُ هذا السّرْ:
دمهم صباحُ الخير
دمهم مساءُ الخير