السبت، مارس 29، 2008

إلى معالي وزير التربية والتعليم !


هذا مقال نشر في صحيفة المصدر الأسبوع الماضي ، محتواه يبين سبب كتابته ،يوم أمس أخبرني رئيس التحرير / الأستاذ سمير جبران ،بأن اتصالاً جاءه من مكتب الوزير يعاتبه على نشرالمقال ، وسؤاله عن من يكون كاتبه ؟ كنت أتوقع التعامل مع ما طرح في المقال بموضوعية وجدية ، حتى لا يتكرر وتعود المعاتبة ، لكنَّ يبدو أن توقُّعي كان أكثر تفاؤلاً ،


رسالة إلى معالي وزير التربية والتعليم: إنهم يبصقون في وجوهنا
25/03/2008

محمد الشلفي
لا أدري هل ستقرأ رسالتي هذه أم لا؛ فشخص لديه مسئولياتك ربما لن يجد وقتاً كافيا لقراءة رسالتي..!
معالي الوزير..
حاول ولو لمرة واحدة، أن تلقي نظرة على أقسام وزارتك، لترى كم هي بعيدة عن نمط قاعات الاجتماعات الفخمة، واتيكيت أصحاب البدلات الكاملة، والوفود. حاول ولو لمرة "تفقد" موظفي وزارتك، وسؤالهم سؤالاً واحدا: لماذا يبصقون في وجوه المواطنين "أصحاب المعاملات"؟
لا يحتاج الواحد منا سيادة الوزير لأكثر من ساعة واحدة "ليهان" في وزارتك. فمثلاً: في قسم صغير كالكنترول- وهو بالمناسبة المسؤول عن استخراج الشهادات، والمعاملات، والوافدين.. ومثل هذه الأمور التي تعرفها أكثر منَّا- يحدث التالي كل يوم بل كل ساعة من الدوام الرسمي:
يقف المواطنون أمام شباك كتب عليه: الشهادات، يجلس فيه موظفان أحتفظ بأسمائهما، ينشغلان بالأحاديث الجانبية عن خدمة المواطنين، وكلما حدَّثهم أحد المواطنين، يجيبون عليه بالسخرية؛ على اعتبار أنه يقاطع أحاديثهم -كما أعتقد تفسيراً لما يحدث- والرد يكون بصوت عالٍ: "ما تشتي مني؟" وسؤال آخر يلقيه موظف أنيق لمواطن: إيش.. عاتشترونا؟
سيادة الوزير، من الذي يجب عليه الرد على هذه الأسئلة التي يسألها موظفوك في الوزارة. من الذي يجب عليه تذكيرهم بأن رواتبهم التي يتقاضونها هي مقابل الخدمة التي يقدمونها للمواطن. وطالما يتقاضون مرتباً فيجب عليهم احترام أعمالهم ويجب عليهم احترام هذا المواطن. ويجب عليهم أن يؤدوا عملهم بدون تطفيف. لكن عكس الواجب هو الذي يحدث.فيهان المواطن ويستغل على أيديهم.
سيادة الوزير...
مايحدث في وزارتك يتعدى الإهمال في العمل، والتأخير في إنجاز المعاملات، إلى الإضرار بالناس شخصياً وهذا ما حدث معي، فبعد معاملة سيئة للغاية من أحد الموظفين، وجَّهتُ شكوى خطية لمدير الكنترول عن هذا الموظف. ستعرفه -إن قررت النزول ولو لمرة واحدة إلى المكان وتفقده - بجنبية وثوب يلبسهما كل يوم عندما يأتي إلى العمل. ألا توافقني سيادة الوزير أن لبس "الجنبية" في مكان العمل خطر على المواطنين. فلا يستبعد على من يلبسها من الموظفين أن يستخدمها ضد أحد "المعاملين". وهذا ما يجب أن تمنع حدوثه.
أعود سيادة الوزير إلى الشكوى التي كتبتها ثم سلمتها لنائب مدير الكنترول لعدم وجود المدير وقتها، وهذا نصها:
(الأخ / المدير...تحية طيبة، يذكر القانون:أن استخدام الوظيفة من أجل الإضرار بالآخرين، يوجب العقوبة. لكن الموظف الذي يدعى"...." في قسم الصندوق، خرق هذا القانون حين عمل على الإضرار بي وبالناس شخصيا كأضرار نفسية. فمثلاً: استغرق قطع سند 150 ريالاً يمنيا ربع ساعة. ومثلاً الردود الساخرة التي لا يقبلها أحد، وهو يستخدمها ضد الجميع. فأرجو النظر لهذه الشكوى بإنصاف، لأن هذه المعاملة تتكرر لمجرد أن نسأله سؤالاً بسيطاً، وأتحفظ على ذكر اسمي خوفاً من حدوث ضرر بي. المقدم: طالب)
لكن النائب برر قائلاً: هؤلاء موظفون غير رسميين، لا نستطيع أن نكلمهم بشيء مباشرة، فهم مرسلون من إدارة أخرى. بالتأكيد أنت على علم بمثل هذه الأمور سيادة الوزير. ردُ هذا النائب جعل الموظفين-جميعاً- في اليوم التالي يتعاملون بعدوانية واضحة لأنني تقدمت بالشكوى. ومازالت معاملتي إلى الآن:شهادة كرتونية، وشهادة بدل فاقد...عندهم. وقد دفعتُ قيمة الأولى 150 ريال، والثانية 1500، بينما طلب مني الموظف 1600ريال. لدي الآن شهادة ناقصة الإجراءات؛ لأن الموظف-كما يقول- لم يطابق الشهادات رغم المهلة التي أعطيت لي، وتتجاوز خمسة أيام، أما الشهادة الأخرى فما زالت لديهم من تاريخ 26/2/2008
ذاتهُ الموظف، أحتفظ باسمه: يكتب رقم تلفونه للناس ليتصلوا به خارج العمل لأخذ معاملاتهم. ويبرر مدير الكنترول هذا التصرف قائلاً: أحيانا تؤخذ بعض المعاملات إلى البيت لتجهيزها.
سيادة الوزير...
لا يشعر الموظف لديكم بأنه تحت الرقابة، وبأنه معرض للمساءلة في حال قصر أو أضر بالآخرين عن طريق وظيفته. فالموظف يتعالى على من هم دونه ويشتط في معاملتهم، كما يتعالى على الجمهور ويقابله بالصد أحيانا والنبذ الصريح أحيانا أخرى. وهو إن قام بما يفترض أن يقدمه من خدمات يعتبر ذلك منة من جانبه تجاه صاحب الحاجة، وليس واجبا تمليه عليه وظيفته.إنه يكاد لا يعترف إلا في حالات نادرة، بحق صاحب الحاجة من المواطنين في أن تلبى حاجته. وهو بذلك يكرر موقف رئيسه منه، وهذا الأخير يكرر موقف المسئولين الأعلى منه. ويتخذ الأمر بالنهاية طابع سلسلة علاقات استعلائية استعبادية، وليس شكل العلاقة المرتبية الرسمية التي تفرض واجبات وتضمن حقوقا لكل طرف وعلى كل مستوى "وهذا ما ذكره كتاب "التخلف الاجتماعي"لـ د. مصطفى حجازي:
"ويسكت المواطن المسكين لأنه يعرف أنه لو اشتكى فلا يوجد من ينصفه. ولأنه يخاف أن يضر به الموظف الذي سيشتكي به. يفقد المواطن الثقة بالقانون فيما لو تقدم بشكوى". يضيف د. مصطفى حجازي"والواقع أن الإنسان المقهور في المجتمع المتخلف يحس بالغربة في بلده، يحس بأنه لا يملك شيئاً، حتى المرافق العامة يحس أنها ملك للسلطة، وليست مسألة تسهيلات حياتية له هو. ذلك أن الهوة كبيرة جداً بينه وبينها وإن ما يستحقه من خدمات وتقديمات، تقدم له (إذا قدمت) كمنة أو فضل، لا كواجب مستحق له.
سيادة الوزير...
صحيح أن الأولى بي أن أكتب عن موظف البريد الذي أضاع ملفي وأنا أبحث عن وظيفة، وعندما قلت له هذا إهمال أجاب: إيش تحسب إنك باتتوظف اليوم الثاني؟ قدامك ثلاث سنوات. أو عن موظف جامعة صنعاء، عندما سألته عن زميله الغائب متى سيأتي، الساعة 11! فأجابني: بمزاجه، يأتي ليداوم في أي وقت. أو عن وزارة التخطيط التي يجلس في استعلاماتها موظفون يدخلون من يشاؤون ويمنعون من يشاوون. والعذر الوحيد هو أن الوكيل منع الدخول. أو عن موظفين موجودين في كل وزارة من الوزارات، وهم يتعاملون بنفس الطريقة. ولكنك معالي الوزير ترأس أهم وزارة من الوزارات. وتستطيع قراءة هذه الرسالة، إذا ما قرأتها، في اجتماع مجلس الوزراء، على رئيس الوزراء وبقية زملائك من الوزراء بكل شفافية.
سيادة الوزير...
يبدو أنني أطلت عليك.أتمنى ألا تكون أنت الآخر فاقداً الثقة بالقانون عندنا وبتطبيقه، وفي إمكانية التغيير والإصلاح. فنحن كمواطنين سنثمن ما ستفعله من أجلنا. لدفع ضرر موظفيك كل ساعة في كل يوم. هل يمكن سيادة الوزير أن تعيد للقانون ثقته بنفسه؛ فهم يبصقون في وجه القانون أيضاً..!
http://www.al-masdar.com/FullStory.asp?No=18&StoryID=868

الأربعاء، مارس 19، 2008

البردوني

هذه قصيدة مهمة للشاعر الكبير عبد الله البردوني، وتستمد أهميتها من الموقف التي يعلنه من خلالها ، فنعرفه أكثر ومن كونها ...قراءة لواقع ما زلنا نعايشه إلى اليوم ،رغم أن البردوني لم يعد بيننا
طلبها البعض مني، لأنني أرويها دائماً، فأحببت أن أرويها بهذه الطريقة للجميع. رغبة مني في مشاركة القراء لكل جميل أقرأه.

الغزو من الداخل
عبد الله البردوني



فظيع جهل ما يجري
وأفظع منه أن تدري
وهل تدرين ياصنعا؟
من المستعمر السري
غزاة لا أشاهدهم
وسيف الغزو في صدري.
فقد يأتون تبغا في
سجائر، لونُها يغري
وفي صدقات وحشيَّ
يؤنسن وجهه الصخري.
وفي أهداب أنثى ، في
مناديل الهوى القهري.
وفي سروال أستاذ
وتحت عمامة المقري.
وفي أقراص منع الحمل
في أنبوبة الحبر.
وفي حرية الغثيان
في عبثية العمر .
وفي عوْد احتلال الأمس
في تشكيله العصري .
وفي قنينة الويسكي
وفي قارورة العطر.
ويستخفون في جلدي
وينسلُّون من شَعري.
وفوق وجوههم وجهي
وتحت خيولهم ظهري.
غزاة اليوم كالطاعون
يخفي وهو يستشري .
يحجر مولد الآتي
يوشِّي الحاضر المزري.
فظيع جهل ما يجري
وأفظع منه أن تدري.

يمانيون في المنفى
ومنفيون في اليمن.
جنوبيون في (صنعاء)
شماليون في (عدن).
وكالأعمام والأخوال
في الإصرار والوهن .
خطى(أكتوبر) انقلبت
حزيرانية الكفن .
ترقّى العار من بيع ٍ
إلى بيع بلا ثمن .
ومن مستعمر غاز
إلى مستعمر وطني.
لماذا نحن يامربى
ويا منفى بلا سكن .
بلا حلم بلا ذكرى
بلا سلوى بلا حزن ؟
***
يما نيون يا (أروى)
ويا (سيف ابن ذي يزن ).
ولكنا برغمكما
بلا يُمنٍ بلا يمن ِ.
بلا ماض بلا آت
بلا سرِّ بلا علن .
***
أيا (صنعاء) متى تأتين ؟
من تابوتك العفن .
أتسألني أتدري ؟ فات
قبل مجيئه زمني.
متى آتي؟ ألا تدري
إلى أين انثنت سفني.
لقد عادت من الآتي
إلى تاريخها الوثني .
فظيع جهل ما يجري
وأفظع منه أن تدري.

***
شعاري اليوم يا مولاي
نحن نبات إخصابك .
لأن غِناك أركعنا
على أقدام أحبابك .
فألهناك قلنا : الشمس
من أقباس أحسابك .
فنم يا (بابك الخرمي )
على بلقيس يا (بابك).
ذوائبها سرير هواك
بعض ذيول أربابك .
وبسم الله –جل الله
نحسو كأس أنخابك .

***
أمير النفط نحن يداك
نحن أحدَّ أنيابك .
ونحن القادة العطشى
إلى فضلات أكوابك .
ومسؤولون في (صنعا)
وفرّاشون في بابك .
ومن دمنا على دمنا
تُموقعُ جيش إرهابك .
لقد جئنا نجر الشعب
في أعتاب أعتابك.
ونأتي كلما تهوى
نمسِّح نعل حجابك.
ونستجديك ألقابا
نتوجها بألقابك .
فمرنا كيفما شاءت
نوايا ليل سردابك .
نعم يا سيد الأذناب
إنَّا خير أذنابك .
فظيع جهل ما يجري
وأفظع منه أن تدري .

الاثنين، فبراير 25، 2008

وحدي



وحدي ..نعم كالبحر وحدي
مني ولي، جزري ومدي
وحدي وآلاف الربـــى
فوقي .. وكل الدهر عندي
من جلديَ الخشبي أخرج
تدخـل الأزمان جلــدي
من لامتي ، آتي ، أعود
مُضيَّعا قبلـي وبعــدي
كحقيبة ملأى ولا تدري
كبــــاب ، لا يؤدِّي
مشروع أغنية ، بـلا
صوت، كتاب غير مجدي
شيءٌ يخبئني الدجـى
في زرع سرّته ويـبدي
من قصيدة بعنوان(صياد البروق) للبردوني

الأربعاء، فبراير 20، 2008

عادي جداً


رغم أن جميع الخلق يستطيعون أن يضمنوا لأوطانهم ما ستكون عليه في المستقبل، إلا أن واحداً عندنا "سلطة أو معارضة " لا يستطيع أن يضمن لوطن كهذا، ما سيكونه بعد 5-10 سنوات من الآن ؟ فنحن ننشغل بالدقِّ على بقع تختلف باختلافنا، ليست وحدها التي ستنتج النار ، والنور.

ما يزال الوطن صغيرا، ولم يكبر كعادة الأشياء. ما يزال مثقلا بنا كسلطة من ناحية، ومعارضة من ناحية أخرى.
ما يزال يعيش بوجهين: قبيح، وجميل. الأول، تتبناه- كما يبدو- صحف المعارضة بحقيقية منقوصة. والثاني تتبناه صحف الحكومة، بحقيقة منقوصة أيضاً. بينما ، يذهب -في كثير من الأحايين- الشعب من الحسابات؛ فيتعرض لتسلط الإخراج ، بالحذف ، والتعديل ، والتهميش . تارة من أجل المساحة الخاصة بالصفحات، وأخرى من أجل المساحة الخاصة في صدور حكَّامها: القائمون عليها.
أصبحنا بلا هموم مشتركة، وكأننا لا نعيش في محيط واحد نتنفس نفس الهواء ونسكنُ على نفس التراب. يفرط بعضنا في تشاؤمه ويفرط البعض الآخر في تفاؤله. ونزداد يوما عن يوم بعداً عن نقاط اتفاق يمكن أن نجتمع عندها ؛فنتخطى بذلك ذواتنا؛ لأجل وطن أثقل بحمل الكثير من البؤس، والفقر، وقلة القيمة . هان على الخلق ، وأصبح يسير باتجاه المجهول.
الكل يهرب من المسئولية ويرميها على الآخر، معتقداً على "طول الخط" أنَّه على صواب. نكابر في فهمنا للأشياء الموجهة إلى بعضنا من البعض الآخر .
كالذي يصرُّ على قراءة عبارة صحيحة تقول " نشكرُ الجنديَّ علىْ حُسْنِ سُلُوْكِهِ" فيحولها عناداً، و جهلاً إلى "نشكرُ الجندي: عَلـِيْ حَسَنْ سَلّـُوْكـَهْ".
مازالت مشاكلنا تختلف ، رغم أننا ننطق بنفس التسميات، وبنفس العبارات . فالفساد قائم في كل شيء ،و الفقر قائم على أغلب الشعب . لكنَّ المعنى والمفهوم يختلف لدينا كمعارضة وسلطة . وكأننا نتحدث عن أشياء مختلفة تماما: عن بلادٍ أخرى . عن شعب آخر. مازلنا نتحدث عن مشكلات لكننا لا نتحدث عن حلولها. نتحدث عن مشاريع لكننا لا نسمع عن نتائجها.

فلا عجب، إذاً، إن نسمع كل يوم عن مأساة جديدة، عن فقراء جدد، عن أغنياء جدد، عن قتلة جدد، عن ضحايا جدد، عن جهلة جدد، عن معذبين جدد،عن مظلومين جدد. عن فسدة جدد . عن جرع جديدة، وعن موت جديد.

الأربعاء، فبراير 13، 2008

هواء نقي



تختزل الطفولة حزن نصف العمر، رغم غفلتنا ونحن نقول: ليتنا نرجِع أطفالاً لنكون بلا هموم.
وإذا كانت البدايات هي أهم المراحل، فالطفولة:هي المرحلة التي نقبل فيها على الأشياء بحب، لأنها لم تمرّ علينا من قبل. ولا نكون فيها مضطرين للبقاء، بل، سعيدين بالبقاء فيها. حزنا، وفرحا، كرها، وحباً، وثورة. نأخذ كل الأشياء بمثالية مفرطة.

يتذكر صاحبي كيف كان والده يفرغ حقده على المستعمر في أذنه : الكلاب ، الأنذال ، أولاد الزنى. وكان هو يفكر بأنبوبة الغاز كثيراً ، يومها كانت الانفجارات تنمو في أنحاء المدينة .
في حارتهم القديمة، كانت لعبته المفضلة مع من هم في سنه من الأطفال، لعبة المقاوم والعدو. لعبة الثورة والمستعمر. ومازالت ذاكرته تحتفظ ببيت من الشعر، كتب على جدار غرفة في بيتهم القديم على لوحة بيضاء كان يستخدم مثلها في رسم الجهاز الهضمي، والعصبي كنشاط لمادة العلوم ، "لا تسقني ماء الحياة بذلة ... بل فاسقني بالعز كأس الحنظل "

- الخروج من بوابة المستعمر يعني: الحياة مهما تكن.

في مرحلة متوسطة، نتعب في البحث عن رونق البدايات ، وبهاء الإفراط الذي يمنحنا الأشياء كاملة بحلوها ومرها . لكننا لا نجده . ولو استطعنا، فلا نصلُ إلى مستوى البداية . وإن كان لابد فالنهاية وما قبلها.

في طريقنا المتوسط نقصد منه الطريق الأخير ؛ لا نصمد طويلاً في البقاء على طبيعتنا . نطأُ أول درج السلم . ولكن هذه المرة بتقديرات نسميها عادة "الحكمة". لذلك نسير بأقنعة، ونتحول إلى ممثلين في مسرح كبير نجد أنفسنا فيه في غاية تقديم الأعذار. مجردين من الحقيقة التي نكتشفها كلما وقفنا أمام المرآة: أنانيون، ومدّعون. ونصل بكل هذا إلى أقرب النقاط حولنا وأبعدها.

- أصبحت الأشياء، حاضراً، مثلي: أمشي بعكاز يحمل جسدا واهناً بقلب ضعيف. بين كل هذا، توجدُ مساحات لنكون فيها كل الأشياء التي نريد.

لم يسعفني الوقت، حين أكمل صاحبي شايه، لأسأله: من أي البلاد أنت ؟ لكن مظهره كان يوحي بالبلاد كلها . بالشمال وهوائه ، وبالجنوب وهدوئه .

الاثنين، فبراير 11، 2008

مدونة أحمدي نجاد


اصبر رجاء ..
كتابات أحمدي نجاد الشخصية

كانت آخر تدوينة للرئيس الإيراني أحمدي نجاد في مدونته الشخصية على الإنترنت ، والتي كتب على بابها : كتابات أحمدي نجاد الشخصية ، في 2007/11/29 بعنوان دليل الحكومة الإسلامية . قد يبدو التدوين غريباً على رئيس دولة كإيران وعلى رئيس كأحمدي نجاد المفتون “بمحانبة” إسرائيل ، وأمريكا . والقول للعالم ، نحن هنا !

تتكلم المدونة أربع لغات . الفارسية، الإنجليزية، العربية، الفرنسية. يذكر أحمدي نجاد في أحدى تدويناته، أن الهدف من تأسيس هذه المدونة هو " إقامة علاقة ثنائیة و ‏بدون‎ ‎واسطة مع المخاطبین" ورغم الرسائل الكثيرة التي تصل إلى المدونة من أكثر من مكان في العالم ، بأسماء عربية /فارسية دائماً. وشك أصحابها بأنها تصل إليه . لكنه يرد على شكوكهم "لقد قرأت الکثیر من الرسائل التي روعي فیها الاختصار ، وكما وصلتني الرسائل‎ ‎التي كنتم كتبتم في بدایتها (أنا اعرف بان هذه الرسالة لا تصل إلي ید‎ ‎رئیس ‏الجمهوریة ولکن .. .)

في رسالة كتبها أحمدي نجاد لأم جندي أمريكي يقاتل في العراق. و لنا أن نقول أن هذه الأم افتراضية، طالما لم نعرف السبب الذي جعل الأم الأمريكية تبعث برسالة إليه.رغم ما يُـفهم بأنها أم أرسلت إليه رسالة –لم يذكر فحواها - وقد رد مخاطباً إياها بطريقة مختلفة في كل مقطع من الرسالة ، أيها السيدة المحترمة ، أجل أختي ، أيها الأم المفجوعة، أيتها الأم المحترمة . ويأتي الاعتذار أولا منه ، مبينا غرض رده على الرسالة : " سأنشر جواب رسالتك في موقعي علی ‏الإنترنيت ليقرأها كل من يحمل أفكاراً تجاهنا كالتي تحملينها ويحتاج إلي جواب ‏شافٍ"‏ مطمئنا إياها على حال ابنها الذي ذهب للحرب في العراق دون إراته : إذا كان ولدك غير راض بالذهاب إلي العراق وإلحاق الأذى ‏بالشعب العراقي، فاطمئني إن الله سبحانه وتعالی سيعينه ، وأن من اخذ ابنك ‏إلي الحرب بالقوة ،سيحاسب في الآخرة عن دمه والدماء الأخرى التي تراق . وختم الرسالة بآمال كثيرة ، أن يخرج الجيش الأمريكي "الغازي" من العراق ، وأن يتمكن العراقيين من العيش "بحب وسعادة . ويعود الشباب الأمريكي إلي أهاليهم وأسرهم ، حتى يهبّوا جميعاً ‏لخدمة بلدهم. فإذا اعتمدتم علی الله سيكون النصر حليفكم "
في رسالة أخرى سمَّاها "إلى الشعب الأمريكي " يحرص فيها على وصف الشعب الأمريكي" بالشريف" مذكراً إياه بالمسؤولیة المشترکة حیال الحریة والکرامة الإنسانية و حرمة الإساءة وبالمبادرات اللاقانویة و اللا أخلاقیة للحکومة الأمریکیة التي لم تقتصر فقط على خارج نقاط الحدود الأمریکیة " أنتم ترون کل یوم کیف أن الحریات المدنیة فی أمریکا تنحسر و تضرب علیها الخناق تحت ذریعة مکافحة الإرهاب فحتی الحریات الفردیة ، أصبحت فاقدة فقوانین القضاء والحقوق الأساسیة تضرب بعرض الحائط و هناک رقابة مشدّدة مضروبة علی الهواتف و یلقی القبض علی أی
شخص مشکوک فیه أو یتم ضرب الأشخاص بشکل قسری فی الشوارع أو یتم قتلهم بواسطة الرصاص .
ثم يوجه أسئلة شخصية -كما يصفها- :هل بالأمکان حقیقة، تسيير دفة الحکم بشکل أفضل و الا لتزام بالعدالة والاعتراف بحقوق الشعوب یتم وضع الثروة والقوة فی خدمة السلام والاستقرار و رفاهیة الشعوب بدلاً من الالتجاء إلي الاعتداء وإشعال الحروب؟جمیعنا ندین الإرهاب، لأن ضحایا الإرهاب الأصلیین هم الأبریاء و لکن هل بالأمکان احتواء الإرهاب عن طریق الحرب والهدم و قتل مئات الآلاف من الأبریاء؟فإذا کان مثل هذا الأمر فی متناول الیدّ لما ذا لم تحل الأشکالیة؟إن تجربة الهجوم علی العراق أمامنا ما هی إلا هدیة الصهاینة إلی الشعب الأمریکی مقابل تلقیهم المساعدات من الحکومة الأمریکیة


ربما ما يهم أكثر في مدونة أحمدي نجاد.هي التدوينة التي نقل فيها اجتماعه مع أعضاء مجلس السياسة الخارجية الأميرکية. رغم تاريخها القديم في 2006/10/01 . والذي تضمن أسئلة كثيرة، وإجابات كثيرة . ابتداء من موقفه من الهلوكوست وإنكاره لها . وقضايا الحقوق في بلاده ،وموقف بلاده مما يحدث في العراق .

من الأسئلة التي وجهت له:
ذكرت بالأمس في منظمة الأمم المتحدة أن على المحتلّين أن يغادروا العراق . وها أنت ترى العراق لا أمن فيه. ما الذي فعلتموه لاستتباب الأمن في العراق؟ يقال إن السبب في تدهور الأوضاع الأمنية في العراق هو إيران. ما هي سياستكم تجاه العراق؟‌ وهل أنتم مستعدون للتعاون "مع أميركا لحلّ الأزمة الأمنية في العراق؟

هذا سؤال طُرح قبل سنة وثلاثة أشهر تقريباً ، مازال صالحاً للطرح . و كما قال أحد زائري المدونة: فخامة الرئيس نعرف أنك تقول الحقيقة !


الجمعة، فبراير 01، 2008

لـــوركــا


فيدريكو غارثيا لوركا

جَمال كل الأشياء الذي لا يُقاوَم(1)


إيــــلاف
الترجمة، من الانجليزيّة، تحسين الخطيب:
مرّةً، ذات حشدٍ حميمٍ، في 2Residencia de Estudiantes قال المعماريّ لُكُوْرْبُوْزِيي(3) بأنّ أكثر ما أحبّه في إسبانيا كان التّعبير dar la estocads (أنْ تقوم بقتلٍ نظيفٍ) ذاك أنّه يُعبّر عن نيّة الذّهاب إلى الموضوع مباشرةً وتوق البراعة في ذلك سريعاً، دون التّوقّف عند الثّانويّ والزّخرفيّ. إنّني أؤمن بذلك المذهب أيضاً، رغم أنّ سيفي، بطبيعة الحال، ليس سيفاً رشيقاً ونظيفاً. يربض الثّور أمامنا، ويتوجّبُ علينا قتله. على أيّة حالٍ، تلك هي نيّتي.

ولأنّني أُدرك مدى صعوبة هذا الموضوع، فإنّني لا أُعرِّفُ، بَلْ فقط أُشدِّدُ. لا تسألوني عن الحقيقة والبُهتان. لأنّ "الحقيقة الشّعريّة" تعبير يتبدّل تبعاً للشّخص الذي ينكّب عليه. قد يكون الضّوء، عند دانتي، قُبحاً، عند مالارمي. علاوةً على ذلك- مثلما يُدرك كلّ واحدٍ منّا الآن- فإنّ علينا عشق الشّعر. فالشّعر كالإيمان- لا يُقصد فهمه بل استقباله في مقام من الفضل. لا يتوجّب علينا القول" هذا واضح"، لأنّ الشّعر غامض، ولا يتوجّب القول" هذا غامض"، لأنّ الشّعر واضح. ما يتوجّب علينا فعله: أن نُفتّش عن الشّعر مُفعمين بالحيويّة والنّشاط والقُوّة حتّى يستسلم لنا. لكنّنا نحتاج إلى نسيان الشّعر قبل أن يهبط عارياً بين أذرعنا. ما لا يُطيقه الشّعرُ هو اللاّمُبالاة. فاللاّمُبالاةُ كُرسيّ الشّيطان. لكنّها اللاّمُبالاة تلك التي نسمعها تهذي في الشّوارع، غريبة الثّياب، قنوعة، ومُهذَّبة.

إنّ المُخيّلة، بالنّسبة لي، مُرادفة للاكتشاف. أن نتخيّل: أن نكتشف، أن نحمل كِسرة الضّياء إلى شِبْهِ الظّلّ الحيّ، حيث تُوجَد كلّ الاحتمالات المُطلقة، الأشكال، والأعداد. لا أُومنُ بالخلق بل بالاكتشاف، ولست أُومنُ بالفنّان الجالس في مقعده، بل بالذي يجوبُ الطّرقات. المُخيّلة وسيلة روحيّة، مُستكشفَةٌ مُلْهَمَةٌ للعالَم الذي تستكشفه. المُخيّلةُ تُهيّئُ وتمنح حياةً مُشرقة لشظايا الحقيقة المحجوبة، حيث يَضجُّ الانسان.

نادراً ما تكتشفُ المُخيّلة أشياءَ خُلقتْ للتَّوّ، إنّها لا تُلَّفِّقُ، وكلّما فعلتْ ذلك يهزمها جمالُ الحقيقة. تُطاردُ المخيّلةُ صُوراً بوسائل صيدٍ مُجرَّبَةٍ وأصيلةٍ. دائماً ما تكون آليّاتُ المُخيّلة الشّعريَّة هي ذاتها: تركيز، وثبة، تحليقة، عودة بالكنز، ثمّ تبويب وانتقاء لما تمّ جلبه. يُهيمن الشّاعر على مخيّلته ثمّ يُطلقها حيث يشاء. وحين لا تَسُرُّهُ خدماتها، يُعاقبها ثُمّ يُطلقها ثانيةً، تماماً مثلما يُعاقب الصّيَّاد كلبه الذي يتواني في جلب الطّائر. أحياناً، يكون الصّيد رائعاً، لكنّ أكثر الطّيور جمالاً وأكثر الأنوار إشراقاً غالباً ما تبتعد.

تُقَيِّدُ الحقيقةُ المُخيّلة: لا تستطيعُ تخيّل ما لا يُوجَد. إنّها تحتاج إلى أشياءَ، أعداد، كواكب، ثمّ تتطّلبُ أكثر طرائق المنطق صفاءً لتربط تلك الأشياء ببعضها. تُحَوِّمُ المُخيّلة فوق العقل مثلما يُحوّم العبير فوق الزّهرة، يندفع مع النّسيم، لكنّه يظلّ مشدوداً إلى مركز منبته الذي يفوق الوصف.

ترتحل المخيّلة الشّعريّة، تُحوِّل الأشياء، وتمنحها معناها الخالص، ثمّ تُعرِّف علاقاتٍ لم يرتبْ فيها أحدٌ قط. لقد كانت المُخيّلةُ هي التي اكتشفت الجهات الأربع الرئيسة، وهي التي اكتشف العلاّت الوسيطة للأشياء، لكنَّها لم تكُنْ، دوماً، قادرة على إبقاء يديها في الجمر المُشتعل بلا منطقٍ أو إحساسٍ، حيث نعثر على إلهامٍ حُرٍّ عفويٍّ.

من الصّعب على ما يُسمَّى بشاعر التخيُّل الصّافي أنْ يُنتِج انفعالاً حادّاً بشعره. يستطيعُ، بالطّبع، انتاج انفعالاتٍ شعريّةٍ، ويستطيعُ، بتقنية النّظم، إنتاج الانفعال الموسيقيّ المِثَال للشّعر الرومانسيّ، الذي يفتقر، في الغالب، إلى المعنى العميق للشّاعر الخالص. لكنّ الشّاعر التَخَيُّلِيَّ لا يستطيعُ انتاج انفعالٍ شعريٍ بِكْرٍ، عفويٍّ، مُتحرِّرٍ من الجُدران- شعرٍ دائريٍّ بقوانينه المُبتكرة للتَّوِّ. المُخيّلةُ مُجدبةٌ، والمُخيّلةُ الشّعريّةُ، كذلك، أكثر.

الحقيقةُ المُدْرَكَةُ، حقائقُ العالَم، وحقائقُ الجسد البشريّ، أكثرُ احتفاءً بظلال اختلافٍ بارعةٍ، وأكثرُ شِعْريّة ممّا تكتشفه المخيّلة. كثيراً ما نُلاحظ ذلك في الصّراع بين الحقيقة العلميّة والأسطورة المُتخيَّلَة، حيث- شُكراً لله- ينتصرُ العِلْمُ. ذاك أنّ العِلْم أكثر غنائيّة- ألف مرّة- من أيّ مَبْحَثٍ في أنساب الآلهة.

لقد اخترعتِ المُخيّلةُ البشريّةُ المَرَدَةَ لتَنْسِبَ إليهم بناء الكهوف العظيمة أو المُدُن المسحورة. ثُمّ، بعد ذلك، علّمتنا الحقيقةُ بأنّ هذه الكهوف العظيمة صنعتها قطرةُ ماءٍ. قطرةُ الماء الخالصةُ، الصَّبُورةُ، الأبديّةُ. في هاته الحالة، مثلما في أخرياتٍ كثيرةٍ، تنتصرُ الحقيقةُ. ثمّ بعد ذلك كلّه: أنْ يكون الكهفُ نزوة الماء الغامضة (تُقيِّدها وتُنظِّمُها قوانينُ أبديّةٌ) أكثر جَمالاً من نزوة المردة الطّارئة التي لا معنى آخر لها سوى ذلك الذي في العِلَّة.

الاستعارةُ هي ابنةُ المُخيّلة- الابنة المنطقيّة والشّرعيّة- الّتي تُولَدُ، أحياناً، من ضربة حدْسٍ مفاجئةٍ، وأحياناً تُبصِر الضّياء بالكرب البطيء للتَّمَعُن.

يجوبُ الشّاعرُ مُخيّلته، مقتصراً عليها. يسمع تدفّق أنهار عظيمةٍ. يشعر جبينه ببرودة القصب المُرتعش وسط اللاّمكان. يريد الإصغاء إلى حوار الحشرات أسفل الأغصان. يُريد التّغلغل في دفق النُّسغ في الصّمت المُعتم لجذوع أشجار هائلة. يُريدُ إدراك أبجديّة مُوْرْس التي تكلّم بها قلبُ الفتاة النّائمة.

يُريدُ. كلّنا نُريدُ. لكنّ خطيئته: أنْ يُريد. على المرء أن لا يُريد- عليه أنْ يعشق- ولهذا يُخفق. لأنّه، حين يُحاول التّعبير عن الحقيقة الشّعريّة لأيّ من هاته الموضوعات، يتوجّب عليه، حينئذٍ، الاستفادة من التّناظرات الوظيفيّة التّشكيليّة التي لن تكون مُعبّرة بما يكفي، لأنّ المُخيّلة لن تستطيع بلوغ تلك الأعماق.

ما دام لا يحاول تحرير نفسه من العالم، يستطيع الشّاعرُ الحياة سعيداً في بؤسه الذّهبيّ. لقد كان لكلّ المنظومات البلاغيّة، كلّ المدارس الشّعريّة في العالم- من اليابانيّين فصاعداً- خزانتها الرّائعة من شموس، أقمارٍ، زنابقَ، مرايا، وغيوم كئيبة كان يستخدمها كلّ المفكّرين على جميع الأصعدة.

لكنّ الشّاعر الذي يُريد التّحرر من المُخيّلة، وعدم الاكتفاء بالصّور التي تُنتجها أشياءُ حقيقيّةٌ فحسب، يتوجّب عليه التّوقّف عن الحلم والبدء في الرّغبة. حينئذٍ، حين تصبح حدود مخيّلته لا تُحتمَل ويُريد تحرير نفسه من عدوّه: العالَم، فإنّه يعبرُ من الرّغبة إلى العشق. ينتقل من المخُيّلة، التي هي إحدى حقائق الرّوح، إلى الإلهام الذي هو إحد مقامات الرّوح. ينتقلُ من التّحليل إلى الإيمان، فيصبح الشّاعر (الذي كان، في السّابق، مُستكشفاً) إنساناً متواضعاً يحمل فوق كتفيه جمال كلّ الأشياء الذي لا يُقاوَم.

تنقَضُّ المخيّلة على الفكرة بضراوةٍ من كلّ الجهات، لكنّ الإلهام يستقبلها فجأةً ويلفّها بضياءٍ رقيقٍ خافقٍ، كتلك الزّهرات الكبيرة آكلة اللّحم التي تُغلِّفُ النّحلة المُرتشعة، ثُمّ تُذيبها في النُّسغ الحرِّيف الذي يتفصّد من بتلاتها عديمة الرّحمة.

المُخيّلة بارعةٌ، مُنظَّمَةٌ، حافلةٌ بالألوان، لكنّ الإلهام مُتنافرٌ، أحياناً لا يُميِّزُ المرء، وغالباً ما يضعُ دودةً زرقاء شاحبةً في عينَيِّ الوحي الصّافيتين. ذاك لأنّه يُريد ذلك، دون تقديم أيّ تفسير. تخلق المُخيّلة جوّاً شعريّاً، ثمّ يخلقُ الإلهامُ ألـ "حقيقة الشّعريّة".

مثلما للمُخيّلة منطقٌ إنسانيٌّ، فإنّ للإلهام الشّعريّ منطق شعريّ. تُصبحُ البراعةُ الفنّيّة والمُسلّمات الجماليّة بلا أيّ نفعٍ يُرتجَى. ومثلما المُخيّلة اكتشافٌ فإنّ الإلهامَ موهبةٌ، موهبةٌ تفوق الوصف. لقد كان خْوَانْ لارِّيْ من قال: "هذا، الذي يأتي إليّ لبراءتي."

مهمّة الشّاعر: أنْ يمنح حياةً animar، وفي المعنى الدّقيق للكلمة: أنْ يمنح روحاً. ذاك أنّيَ شاعرٌ حقيقيٌّ، وسأبقى كذلك حّتى مماتي. لن أتوقّف عن جلد نفس بالسّياط، لن أفقد الأمل بأنّ جسدي سيطوف، ذات يومٍ، بدمٍ أخضرَ أو أصفر. أيّ شيءٍ أفضل من البقاء جالساً خلف النّافذة تنظرُ إلى ذات المنظر الطّبيعيّ. التّناقضُ نور أيّ شاعر. لم أُحاول فرض موقفي على أحد –فذلك لا يليقُ بالشّعر. لا يحتاجُ الشّعر إلى مهنيّين مهرة، بل إلى عشّاقٍ، ثُمّ يَمدُّ عُلّيقاً وكسراً من زجاج إلى تلك الأيدي التّي بعشقٍ تُفتّشُ عنه.


هوامش المترجم: 1- عنوان المقالة بالانجليزيّة: The Irresistible Beauty Of All Things، وهي من محاضرة للوركا بعنوان "المخيّلة، الإلهام، المُراوغَة Imagination, Inspiration, Evasion" أعاد ترتيبها، وترجمها، عن الإسبانيّة، كريستوفر مورير، وذلك من بيانات الجرائد المنشورة بين 1928 و1930. ظهرت في العدد السّابع من Jubilat، ثم قام سباستيان آروز بتضمينها كتابه: رسائل وتذكاراتُ سلفادور دالي وفيدريكو غارثيا لوركا Letters and Mementos of Salvador Dali and Federico Garcia Lorca، نُشر في خريف 2004، عن دارSwan Isle Press. المصدر: مجلّة هاربرز Harper's، عدد سبتمبر 2004، ص ص 26-28. 2- حرفيّاً: بيتُ الطَّلَبَة، وهو الاسم الذي كان يُطلق على المراكز الثّقافيّة في مدريد. كان لتلك المراكز عظيم الأثر في تشكيل ما عُرف بالعصر الفضيّ للحياة الثقافيّة الاسبانية، كما وساهمت في خلق بيئة ابداعيّة لمعظم كتّاب وفنّاني ومفكّري جيل ألـ 98 ( أمثال: ميكيل دي أونامونو، بيُو باروخا، أنطونيو متشادو وخوان رامون خيمينيث) وجيل ألـ 27 أمثال: لوركا، لويس بونويل، سلفادور دالي، رافائيل ألبيرتي، لويس ثيرنودا.3- Le Courbusier (1887-1965): معماريّ، رسّام، مثّال، وكاتب فرنسيّ وُلد في سويسرا.

الأحد، يناير 27، 2008

مؤسسة العفيف :بقعة الضوء





· أشرقت فجأة !
قبلها شعرت بأنني أريد أن أفعل كما تفعل النائحات ، أجهز يدي وأبدأ باللطم على وجهي ، وكما يفعل العاشقون ، ألطم صدري .
فهذه البلاد كفيلة بأن تجعلك كذلك !
استمعت لكلام مسئول التوظيف بحذر ! وبدوت كطبيب حين شككت في كل ما يقوله : إن شاء الله سوف نتصل بك . وكلانا يعرف أن الأمور لا تسير كما يقول ، فهي أسهل ،وأصعب مما تصور .
بعدها خرجت بوجه منكمش لاتعرفه سوى الوحدة . وبدون ترتيب قادتني رجلاي إلى مؤسسة العفيف . إنها الساعة الرابعة لعصر يوم ثلاثاء حين أشرقت فجأة مع صدفة خير من ألف ميعاد . دخلت من البوابة متهجا إلى قاعة "الفعاليات" . بحثت في القاعة الممتلئة تماما عن كرسي فارغ فوجدتها في مقدمة الحضور . كان الكرسي لا يزال دافئاً.
كان يقف على المنصة "مسئول الفعاليات الثقافية" صاحب الصوت الدافئ الإعلامي عبد الله الحيفي ، مقدماً لفعالية افتتاح البرنامج الثقافي للمؤسسة لعام 2008 ، وبالقرب منه الأستاذ عبدالباري طاهر المدير التنفيذي . أحدهم يعلن أسماء من كان لهم دور في نجاح الفعاليات الثقافية للمؤسسة للعام الفائت 2007 ، والآخر يسلِّم شهادات التقدير لهم . حتى أؤلئك الذين عرفوا بالحضور المستمر في الفعاليات تم تكريمهم ، وهذه الأخيرة لفتة جميلة لم تحدث من قبل .
كان لزاما على وجهي أن يتمدد وعلي أن أشرق ؛ هناك مكان أستطيع أن أترك من أجله مجلس القات ، حتى ليوم واحد . أستطيع أن آتي هنا دون أن أُُُحسب على أحد ، إنه شيء فريد في بلادنا !



· المهم في مشوار مؤسسة العفيف ،أن الذي يديرها الأستاذ أحمد جابر عفيف ، صاحب شخصية محبة للثقافة ، والمعرفة. له قدرة على تغيير الأرض الجدبة إلى خصبة أشعل شمعة ولم يلعن الظلام. وهذا ما أعطى المؤسسة الإستمرارية كل هذه السنوات ، دون توقف ، واستطاعت أن تكتسب احترام الجميع مهما كانوا.
"من الخدمات التي تقدمها المؤسسة كما جاء على موقعها الإكتروني: إصدار ونشر الموسوعة اليمنية .مكتبة عامة للمطالعة الحرة · نشر الإنتاج الثقافي النوعي · تفعيل الحياة الثقافية من خلال إحياء فعاليات ثقافية متنوعة كل يوم ثلاثاء .الدعم الإداري المتمثل في توفير المقر وخدمات الطباعة والصف والتنضيد والتلفون والفاكس وصندوق البريد لعدد من الجمعيات مثل : الجمعية الوطنية لمواجهة أضرار القات . الجمعية اليمنية لحماية المياه . جمعية مكافحة السرطان اليمنية . ترحب مؤسسة العفيف الثقافية بالراغبين والمهتمين من المفكرين والعلماء والمهنيين والمؤسسات الرسمية والمحلية والإقليمية والدولية والجمعيات والمنظمات غير الحكومية، في الإطلاع على أنشطتها وفعالياتها وندعوهم للاتصال بنا"

يتضمن البرنامج الثقافي للمؤسسة لسنة2008 ، فعاليات متميزة ، تطرح خلالها قضايا مهمة من قبل كتاب ، وباحثين ، وصحفيين ، وأدباء .. من هذه الفعاليات التي تقام بشكل ثابت كل ثلاثاء من كل أسبوع:
(تحرير الإعلام ودمقرطة اليمن (محمد عبد الملك المتوكل، رؤوفة حسن، عبد الباري طاهر) - دور المجتمع في بناء الحكم الرشيد (فؤاد الصلاحي) -مستقبل الثقافة اليمنية (هشام علي بن علي)- أزمة النقد في اليمن (عادل الشجاع) - الزبيري والنعمان ونضالهما الوطني (عبد الكريم قاسم، قادري حيدر) -المشاركة السياسية للمرأة ونظام الكوتا (حورية مشهور) -تجربة في الكتابة (نبيلة الزبير) نشوء وتطور منظمات المجتمع المدني بعد الوحدة (أمل الباشا) -الإعلام والتنمية (جميلة علي رجاء، نبيل الصوفي) -الوعل في الحضارة اليمنية القديمة (محمد عبد الله باسلامة) -إستراتيجية القوى وسياسية المقاومة في الشرق الأوسط (محمد عبد الله الحيفي) -الوحدة والتطور الثقافي (حسن اللوزي، سامي غالب) -براكين اليمن (محمد عبد الباري القدسي) -المرأة وقضايا العصر (أحمد الوادعي، بلقيس أبو أصبع، وميض شاكر، سهى باشرين) - ذكرى وفاة الشاعر عبد الله البردوني (الحارث الشميري) رؤية نقدية للعمارة في مدينة صنعاء (نادية الكوكباني، آمنة النصيري) -الإصلاحات السياسية في اليمن (عبد الباقي شمسان) -الأضرار الصحية لتناول القات (أحمد الحضراني) -أفريقيانية اليمن الموسيقية (نزار غانم) -ويتضمن البرنامج كذلك أمسيات أدبية متنوعة يشارك فيها (محمود الحاج، علوان الجيلاني، جمال جبران، عبد العزيز البغداد، ماجد المذحجي)

رغم كل هذا المجهود ،تبقى التساؤلات.. كم من اليمنيين يعرف هذه المؤسسة التي تكاد تُعادل وزارة الثقافة ؟ لماذا لا يتم أيضاً توسيع نشاط هذه المؤسسة في أكثر من محافظة يمنية ؟لماذا لا يُعلن لفعالياتها في اللوحات الضوئية في الشوارع ، وتشارك في دعم مثل هذا الشركات الخاصة التي تقف على جيوبنا . لماذا لا تكاد الصحف تنوِّه لفعالياتها إلا بداية كل عام ؟ فالمؤسسة بحاجة إلى إحداث نقاة أكبر في عملها وتوسيع نشاطها . هذه مؤسسة ثقافية على رأسها رجل يفعل الخير، هنا بقعة ضوء ، لماذا لا نأبه ؟ ونعمل حتى تتسع .


السبت، يناير 26، 2008

تحت شجرة أرز


الشاعرة "ليال نبيل" رحمها الله غادرت عالمنا العام الفائت ، تاركة عملاَ "تحت شجرة أرز" تولى إصداره ، كما صدَّر له الشاعر مروان الغفوري :

تصدير:
سالي نبيل هو الاسم الرسمي للمبدعة ليال عاشت بهما معاً في غفوة قصيرة من العالم (14 – 9 – 1983 إلى 16 – 2 – 2007 ). ومن تحت شجرة أرْز اقتربت ليال نبيل من الإنسان ، من جوهره الفرد ، من دخانه وناره ، من لاوعيه ولامعقوله ، من ثيماته الوجودية بكل تنويعاتها، فقطّرته " دمعة دمعة ، وضحكة ضحكة " أو هكذا أرادت من خلال تشغيلها للموجودات، الشيء والإنسان، في نصوصها الكثيفة. وباختيارها لظلّ شجرة أرز فإنها لم تكن تعلن عزلتها الاختيارية، وإن بدت التماعاتها الفنية شبيهة بلزوميات رهين المحبسين من ناحية تحسسها لتحتيّات الأشياء وتشابه الأضداد ووقوفها في اللحظة الفارقة بين الممكن والمستحيل، الحب والخيانة ، والفناء والديمومة فهي لم تكن تقدّم موقفاً ثابتاً تجاه حركة الكون، بل تتمدّد معه، تهدِمه وتبنيه من لحظتها شديدة الكشف، عالية الإشعاع ، شاسعة الفيوضات، ومن مكانها الذي هو حدسها العرفاني المجاوِز. مكانها ، تحت شجرة أرز، الذي اشتغلت على دمجه بالزمن كمعادل نفسي ليقينها العميق بقصر بقائها في منتصف هذا العالم، حين أن أعلنت : عندما يتوقف الزمن عن الحركة يستحيل إلى مكان. وهو يقينٌ تكشفه ثيمة الموت، التي أصبحت أهم لازمة، موتيفة، في نصوصها جسّت بها جوهر الحياة حتى استطاعت في لحظتها الأخيرة أن تدجّن الموت تماماً وتعبَره دون أن ينجرح أي منهما بالآخر .. وعبقريٌ أن يكون آخر نصّ كتبته هو << تحت سماء في مدينة ليست للناس >>. لتغلق بابها القديم على شجرة أرْز تسكن مواقيت العالم، وتحفظ شخوصه الأبديين : اللص، الفقير، الفدائي، الديكتاتور، المقموع ، التائه، المحب ، النخيل ، الزيتون .. وهم يزدحمون في أمكنة ليال المضاءة : المدينة ، القبيلة ، المنفى ، الشرفة ، عين الجندي ، تقرير المخبر، إضبارة المحب.من تحت شجرة أرْز ....مروان الغفوري.

عن دار " اكتب" للنشر والتوزيع ، الكتاب يقع في 130 صفحة ، يحوي أهم نصوص الذاكرة المضيئة ، شديدة التكثيف، لليال نبيل ، عبر جملتها اللا نهائية من الرشح والوميض الفنّي شاسع الدلالة... اللهم اغسلها بالثلج والرضوان، آآآآمين.



أنتم الشعراءُ

في وقت متقارب جداً ، أصدر الأصدقاء دواوينهم ، قد يكون للوقت حكمة أن يصدروا بنفس الوقت ابتدأو الكتابة في وقت واحد ، وتعارفوا بعد شد، ثم صداقة متأنية ،



محمد سيد كان يفترض أن يصدر ديوانه قبل الجميع




يزيد الديراوي





خالد عبد القادر ، بنفس مفتوحة أصدر عملين اثنين ، الأول بعنوان "سيرة الأراجوز"عامية والثاني " نادية" فصحى




النسخ كما وعدتم ...