الخميس، نوفمبر 06، 2008

أيمن جليل

في الصورة أنا حتى إشعار

في إهداء إلى صديقي الشاعر الجميل أيمن جليل كتبتُ:


في مساء كهذا

سأفتح نافذة للسحابْ

وللغيم ،ياأيمن، الآن فيَّ "حكايا"

سأفرغه:

حين أجثو ،كصنعاء،

في بابها
أستشف حنيناً إلى لغة الصحو

ترنو كوقت قديم إلى ساعةٍ


(هنا –في- البلااااااد)

البلاد

تشذ وقد زانها القاتُ

غابتْ عن العين "قبَّرة" كان عند المروج عجوز يراها

إذا أثمر القات فينا

نموتْ

إذا أثمر السوء فينا ..

نموتُ نموتُ

وينمو الجبانْ.


*

سأعذرها ،مرةً،

إذا علَّمتْ قلبها للعيون.

إذا رقصتْ في البداية للحظِ

أو كذَبَتْ..

هي الآن

تغفو إلى جانبٍ:

ليته لا يكونْ.

*

ياحبيب وقل لي:

أنتبع يا أيمن- الآن- "أنى نشاء"؟

إذا أ وغر الجرح قلب السماء..

أنبدأ بالوقت حيث يكون البكاء؟

*

وقل لي:

إذا حاربتنا الحياهْ

أنتبع يا صاحبي ماءَ أشعارِنا؟


5/11/2008



قبلها قال لي:
"سنغيِّر أحبابنا"


يا شلفي، يااا محمد

البلاد تمر كثيرا على الريح،
لما تصل بعدُ أحلامَنا الحاسراتِ على كل قارعة في الجبال
منذ أن صرمتها السماء بنيّاتِنا
واستدار الزمان إلينا
وكنا رحىً في البلاد
نحمل النور، لكننا لا ندور على أمنيات الحقول
ولا نُسكنُ العاشقات الأوائل أشعارَنا لندور.

يا محمد،
سألتُ عن الموتِ
كان تراوده ضائقاتُ الرجال
لم أجدكَ،
فهل ستمر قريبا من الموت؟
أوشك أن أحتوي الموتَ مثلك.
أخشى صداك إذا لم تجد في جبينك عاشقةٌ وجهةً
لتفر من العالمين
وأراها تسولُ للخوف أن يتسلق أيامها كلها
وهي تسأل عما سألت.

هل تراك مددت جناح النبوة
ما بين ذكرى الحبيبة والبرد يا عالقا في السعال ؟..
هل أراك غشيتَ الرمالْ
وأعملتَ منسأة الطي في البحر؟
تخرج من بابهِ
أتشكّك،
يكذب حدس الجنوبي، يكذب
يصدق شكّ الشمال.

هي مرحمةٌ
فاستعذ بالمدينة
من ترف الدمع والحزَن الأبدي
وجرّد لصنعاء قلبك كي يتراخى على شفتيها السؤال
وثم أجب،
قل: لنا فلقة الشمس
والنزقُ البدويّ
وما رفّ فوق الطفولة من حلم هازئ
وتهادى إلى قلق المستحيل
لنا الحُب، ما جنّ بين الصدور
وأورق في سمرات الجبال

سنلقي على الطور مدفأة
في انتظار المحبين
أرجوحةً يصعد الحلم أركانها
رعشةً غضةً لاشتياق قديم،
علمتنا جِبِليّة الحُبّ أن نبلغ الدم
حتى نرى أضلعا تحتوينا بأحزانها،
وألا نخالجها في الكروب لنحفظنا دائرين.

أي حبيبُ،
هنالك، في الأمس، أكفأتُ قلبي الذي أنت تعلمْ
لم أقوَ أن أحتوي أملا آخرا
للقاءٍ مغيّمْ
غافل الوعدُ وجهي كما لست تعلم
أو كُسرت مقلتان
مكث الغيم في موضعي بعض يوم
وللآن
لم أدرك الفرق مثلكْ
كم مرة يسقط البشري من الموت نحو السماء؟
وكم مرة سنحبّ لتهلكنا نزعات الدماء؟
ضيّعتنا الحبيباتُ
في أيّنا تلصق الكائنات خطيئاتها كي يشيخ وحيدا؟
وفي أيّنا تصعد العاشقات ضراما؟

يا محمد،
سنغير أجوافنا مرة حين تمسكنا مرتين، لنسن غواياتنا
سنغير أحبابنا مرة حين تقتلنا مرتين
لنطيق مسراتنا.

قم بهذا البكاء قليلا
إذا ساءك الفرقُ
وانفذ بصوتك حتى ترى سفنا في السحاب
وانتفض مثل غفوة جوع وصحو
إذا لم تجد في المدينة سرا
ولا وازعا من كتاب .



ويقول:

في سحاب كهذا
سأفتحني للصباح
سأحثو قليلا من الضوء في الموت
حتى إذا ما توهّن في داخلي
أكلته الرياح
غابت العين،
غاب المدى

وانتهيتُ لنظارةٍ تمنح الآدمياتِ أسماءها
وتكسرني باسم ضعفي إلى ورقٍ
راكن كالغريب
وأمنيةٍ لا تجيب
لذا
ربما أدركتني يدان
أسير على شطّها
وأخرج من رعشة التيه
حين تلم بأطرافها
وأعذرها وهي تكذب
خائفةً من حلول النصيبْ
لأزرعها في القصيدْ
(وأحب من البدء من حيث ضاق السعاةُ وساح البريد)*

***

يا محمد،
سنجرح هذي الحياة إذا حاربتنا بأبنائها

سنجرحها وفقط
لنمنّ على وجهها بالحياة
ونحملها فوق أشعارنا حرةً
في فصول الدواة
ونبدأ بالحب
حيث يكون البكاء
ونبدأ بالدمع قبل الشتاء

ــــــــــــــــــ* محورة من قصيدة "أقسم أصحابي نصفين وأبتسم" لفارس حرّام

لأقول:

أصدقائي يفرَّون
آخرهم كان يحثو التراب على كبدي
يولِّي،
إذا أقبلَ الدمعُ قالْ:
ستصبح فزاعة للغيومْ
..
وتلك الفتاة التي واعدت ظلها مرتين
تقول بما لم تقله النبوءة:
لي واحةٌ في الزمان القريب
ولي شجر أخضر
ولي من سعوف النخيل نصيبْ.
أسائلني ياحبيب:
أذا قسَّم الله ،قلبا، أيحرمُه ما يريدْ؟
*
في حنينٍ كهذا
سأوقدُ ناراً ليستأنس القلبُ..
إن شرَّدته الطفولةُ
واربَ بابَ الحديثِ:
ليأتي القطارُ سريعاً
فلا جالسٌ قامَ
لا واقفٌ في الكهوف توارى.
ليعمى المكانْ
لتأكلنا الحربٌ
ينشقُّ أطفالُها
فلا واحدٌ في يديه الكتابٌ الأخيرْ.

*

يقول شقيقٌ:
(لننسى الحبيباتِ/الخياناتِ، هذا زمانٌ يفوقُ تفاصيلنا)

7/11/2008

الأحد، نوفمبر 02، 2008

شجر لا يحدث له ظل




(...)
يصلي
ولا ظل يبدو..
وتطفو إلى قلبه سَوْرة من حديث المدينة
تنمو
كأفكارها في الحروب
كأحزابها في السياسةِ
تنمو..
كأموالها في البنوك.


زمانٌ غريب تلازمنا حربه..
ثم إنِّا إذا جاءت السلمُ نأتي مجازاً على وزنها
وتأتي الخيول لتسقط صفصافة الغيم من غيِّها


في الكلامْ
تُغِير السيوفُ على لغة الأرضِ:ماءٌ على برها/
بحرِها/
جوِّها/

يقول فتىً:
(علمتني الحياةْ
إذا الحرب سادت فلا تغمد السيفَ إمِّا زمانٌ يجيء وإما زمان نكون خفافاً إذا مات سكَّانه)
ثم إنَّ الفتى ،فجأة، دق قلب حبيبته
ذبلت في الحديقة أزهاره
والسحاب انزوى ماؤه
ألفتى لا...
يموتْ.


تماماً كما قالَ
لي:سأخرجُ منفرداً "بالهجاءات"
أبدو فأفقد ما كنت أبدو
سأصبح كالبرتقالة قبل نضوجِ المسافة
مثل المسافة قبل نضوج السؤال
ومثل السؤالْ..


تماما كما لم يقل.


(...)

السبت، أكتوبر 25، 2008

الأزرق


يتراكم الأزرق في صدري
يشى بي
يفرَّ معي إلى الداخلْ
في الداخلِ طفل
يحدث ضجيجا
يوسخ ملابسه
يضحك
يتحدث إلى نفسه
يحبُّ
يكتب على الجدران
يُسقط صورها
يتوقف
يشعر بالملل
يطفئ النور
يبكي
هو:
البالغ تعبين ونيف.

السبت، أكتوبر 11، 2008

لأنك الأشياء !




أعودُ..
هل أبيْنُ مثل فاقة
تموت.

***

إذا ابتدأت
ياوعورة المكان!

***

إذا غُمرت ،
عادة
تسومني الأحلام।

***

أنا أحب هذه ؟

أم أن بيننا مسافة

تريد أن نكون..


وهذه:جدار
وهذه:يد
وهذه: تتوه إن أنا استقلت
من بكائها،
وهذه: مسافة ما بين حاجة الأسوار
للهروب
وحاجة البقاء

***

رأيتُ ذات مرة
كأنها الأشياء

كأنها بداية الفصول.

الثلاثاء، سبتمبر 02، 2008

الثلاثاء، أغسطس 12، 2008

درويش


أعترف بأن محبتي لك كانت تتأرجح بين خافتة، ومتوهجة. لكنها لم تنطفئ يوماً. منذ الصغر، كنت أسمع بك تملأ الشعر، واللغة، لكنني كنت أترك قراءتك للآخرين. كعادتي أنحاز للذين لا يُــقرؤون/. رغم كل شيء قرأت لك "لماذا تركت الحصان وحيداً" "كزهر اللوز أو أبعد"، "حصار لمدائح البحر"، "أحد عشر كوكباً"، أذكر أني اشتريت كتابك"يوميات الحزن العادي" من المكتبة اللبنانية المصرية بالقاهرة.


كنت تنتشر أكثر مناً في البيوت، والشوارع، والأزمنة. في أفئدة الشهداء، والمرضى، والسياسيين. في أجنحة العصافير، في الفضاء. في السماء. في الأفران، والمقاهي.
كنت تكتبنا أينما نذهب. حتى في العدم. لك أن ترتاح الآن، من نميمتنا، من حبنا وكرهنا، من اختلافنا. من إلحاحنا بالحاجة لمن يقف أمامنا، لنضيء. ولنا أن نظل قلقين في شعرك، في تبريرات الخلد. في وجهك وصوتك، ونهايات النهايات. لكن أن ترتاح الآن، من ما يسمى نحن، ونبقى "نحن" نعترف كم كنتَ حزينا لأجلنا ولأجلك.

يحبّونني ميتاً

يُحبُّونَني مَيِّتاً لِيَقُولُوا : لَقَدْ كَان مِنَّا , وَكَانَ لَنَا .
سَمِعْتُ الخُطَى ذَاتَهَا , مُنْذُ عِشرينَ عَاماً تدقُّ عَلَى حَائِطِ اللَّيْلِ .
تَأتِي وَلاَ تَفْتَحُ البَابَ .
لَكِنَّهَا تَدْخُلُ الآن .
يَخْرُجُ مِنْهَا الثَّلاَثَةُ : شَاعِرٌ , قَاتِلٌ , قَارئٌ .
أَلاَ تَشْرَبُونَ نَبِيذاً ؟ سَأَلْتُ , سَنَشْرَبُ .
قَاُلوا . مَتَى تُطْلِقُونَ الرَّصاصَ عَلَيَّ ؟ سَأَلْتُ .
أجابوا : تَمَهَّلْ ! وَصفُّوا الكُؤُوسَ وَرَاحُوا يُغَنُّونَ لِلشَّعْبِ , قُلْتُ : مَتَى تَبْدَءونَ اغْتِيَالي ؟
فَقَالُوا : ابْتَدَأنَا ... لمَاذَا بَعَثْتَ إلَى الرُّوحِ أَحْذِيَةً! كَيْ تَسيِرَ عَلَى الأَرْضِ , قُلْتُ .
فَقَالُوا : لِمَاذَا كَتَبْتَ القَصيِدَةَ بَيْضَاءَ والأَرْضُ سَوْدَاءُ جِدَّاً .
أَجَبْتُ : لأَنَّ ثَلاَثِينَ بَحْراًُ تَصُبُّ بِقَلْبِي .
فَقَالوا : لِمَاذا تُحُبُّ النَّبِيذَ الفَرَنْسِيّ ؟
قُلْتُ : لأَنِّي جَدِيرٌ بأَجْمَل امْرأَةٍ .
كَيْفَ تَطْلُبُ مَوْتَكَ ؟
أَزْرَق مِثْل نُجُومٍ تَسِيلُ مِنَ السَّقْف – هَلْ تَطْلُبُونَ المَزِيدَ مِنَ الخَمْر ؟
قَالوا : سَنَشْرَبُ .
قُلْتُ : سَأَسْأَلُكُمْ أَنْ تَكُونُوا بَطِئِين , أَنْ تَقْتُلُوني رُوَيْداً رُوَيْداً لأَكْتُبَ شعْراً ...

الخميس، يوليو 31، 2008

why I can't be there where you are



Show me the meaning of being lonely

So many words for the broken heart
It's hard to see in a crimson love
So hard to breathe
Walk with me, and maybe
Nights of light so soon become
Wild and free I could feel the sun
Your every wish will be done
They tell me


Show me the meaning of being lonely
Is this the feeling I need to walk with
Tell me why I can't be there where you are
There's something missing in my heart

Life goes on as it never ends
Eyes of stone observe the trends
They never say forever gaze from here
Guilty roads to an endless love
There's no control
Are you with me now
Your every wish will be done
They tell me

Show me the meaning of being lonely
Is this the feeling I need to walk with
Tell me why I can't be there where you are
There's something missing in my heart

There's nowhere to run
I have no place to go
Surrender my heart' body and soul
How can it be you're asking me to feel the things you never show

You are missing in my heart
Tell me why I can't be there where you are

الأحد، يوليو 13، 2008

فيروز

أنا يا عصفورة الشجن

مثل عينيك بلا وطن

بي كما بالطفل تسرقه

أول الليل يد الوسن

و اغترابٌ بي و بي فرح

كارتحال البحر بالسفن

أنا لا أرضٌ و لا سكنٌ

أنا عيناكِ هما سكني

راجعٌ من صوبِ أغنية

يا زمانا ضاع في الزمن

صوتها يبكي فأحمله

بين زهر الصمت و الوهن

من حدود الأمس يا حلما

زارني طيرا على غصن

أي وهمٍ أنت عشت به

كنت في البال و لم تكن

الخميس، يوليو 03، 2008

رحمك الله يا مسيري .

إسلام أون لاين القاهرة

- رحل عن عالمنا اليوم الخميس المفكر العربي الكبير الدكتور عبد الوهاب المسيري بعد صراع طويل مع المرض عن عمر يناهز الـ 70 عاما.
وفاضت روحه في مستشفى فلسطين بالقاهرة عند الفجر، ويشيع جثمانه بعد صلاة ظهر اليوم من مسجد رابعة العدوية، ويوارى الثرى في مسقط رأسه بمدينة دمنهور في محافظة البحيرة (شمال).
ولم تمنع رحلة المرض الطويلة د. المسيري من مواصلة إنتاجه العلمي ونضاله الشعبي، فهو المنسق العام للحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية".
وشارك حتى وقت قريب في العديد من الوقفات الاحتجاجية في الشارع؛ تنديدا بتردي الأوضاع في مصر، ومن أشهر أعماله موسوعة "اليهود واليهودية والصهيونية" التي قضى نحو ربع قرن في كتابتها.
وله مؤلفات أخرى منها "من هو اليهودي"، و"النازية والصهيونية ونهاية التاريخ"، وكان يعد لموسوعة بعنوان "الصهيونية وإسرائيل"، تتناول إسرائيل من الداخل.. مجتمعا ومؤسسات؛ بهدف تعميق الفهم بإسرائيل.ونال د. المسيري العديد من الجوائز كان آخرها اختياره في شهر مايو الماضي للحصول على جائزة القدس من الاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب عن مجمل إسهاماته فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وكان من المنتظر أن يتسلم الجائزة بالعاصمة السورية دمشق في نوفمبر المقبل.
رحلة المفكر العربي الراحل مع المرض بدأت في عام 2001 عقب انتهائه من كتابة موسوعته الأشهر، حيث خضع لجراحة في الظهر، قال عنها في إحدى حواراته الصحفية إنها "تكلفت 180 ألف جنيه، ولولا حدوث معجزة وقتها لما تمكنت من سداد تكاليف العملية، حيث كنت خارجا من (تأليف) الموسوعة مفلسا".
واكتشف الأطباء في أثناء العملية إصابته بسرطان الدم، وخضع بعدها لجلستي علاج بتكلفة بلغت ألفي دولار أمريكي، ثم تلقى رعاية طبية في الولايات المتحدة على مدار سنوات.
وتحمل الأمير عبد العزيز بن فهد معظم تكاليف علاج د. المسيري بعدما لم ترد الجهات المعنية في مصر على طلب تقدم به للعلاج على نفقة الدولة.

وُلد في دمنهور 1938 وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي (مرحلة التكوين أو البذور). التحق عام 1955 بقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، وعُين معيدًا فيها عند تخرجه. وسافر إلى الولايات المتحدة عام 1963 حيث حصل على درجة الماجستير عام 1964 (من جامعة كولومبيا) ثم على درجة الدكتوراه عام 1969 من جامعة رَتْجَرز Rutgers (مرحلة الجذور). وعند عودته إلى مصر قام بالتدريس في جامعة عين شمس وفي عدة جامعات عربية من أهمها جامعة الملك سعود1983 – 1988، كما عمل أستاذا زائرًا في أكاديمية ناصر العسكرية، وجامعة ماليزيا الإسلامية، وعضو مجلس الخبراء بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام (1970 – 1975)، ومستشارًا ثقافيًا للوفد الدائم لجامعة الدول العربية لدى هيئة الأمم المتحدة بنيويورك (1975 – 1979). وشغل منصب عضو مجلس الأمناء لجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية بليسبرج، بولاية فرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية، ومستشار التحرير في عدد من الحوليات التي تصدر في ماليزيا وإيران والولايات المتحدة وانجلترا وفرنسا (مرحلة الثمر). ومن أهم أعمال الدكتور المسيري موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد (ثمانية مجلدات) وكتاب "رحلتي الفكرية": سيرة غير ذاتية غير موضوعية- في البذور والجذور والثمار. وللدكتور المسيري مؤلفات أخرى في موضوعات شتى من أهمها: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة (جزأين)، إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد (سبعة أجزاء). كما أن له مؤلفات أخرى في الحضارة الغربية والحضارة الأمريكية مثل: الفردوس الأرضي، و الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، و الحداثة وما بعد الحداثة، و دراسات معرفية في الحداثة الغربية. والدكتور المسيري له أيضاً دراسات لغوية وأدبية من أهمها: اللغة والمجاز: بين التوحيد ووحدة الوجود، و دراسات في الشعر، و في الأدب والفكر، كما صدر له ديوان شعر بعنوان أغاني الخبرة والحيرة والبراءة: سيرة شعرية. وقد نشر الدكتور المسيري عدة قصص وديوان شعر للأطفال.



المقالة الأخيرة للدكتور الراحل المسيري والتي نشرت في 14/06/2008
تآكل المقدرة القتالية لـ"العجل الذهبي"

يستند الوجود الصهيوني إلى العنف إذ انه يهدف إلى التخلص من أصحاب الأرض وإحلال آخرين محلهم، وهي عملية لا يمكن أن تتم بالوسائل السلمية لأسباب إنسانية معروفة. والكيان الصهيوني غُرس غرسا في فلسطين ليلعب دورا قتاليا ضد المنطقة العربية.

وعلى مستوى من المستويات يمكن القول إن المشروع الصهيوني كان يهدف إلى نقل الفائض البشرى اليهودي من أوروبا إلى فلسطين وتحويله إلى "مادة قتالية" تخدم المصالح الغربية.
ولكل هذا تكتسب كل الظواهر الصهيونية ابتداء من الزراعة وانتهاء بالتلفزيون بعدا عسكريا. ولذا فالقوة العسكرية الصهيونية تشكل العمود الفقري للمشروع الصهيوني، فهو يكتسب شرعيته الصهيوني وشرعية وجوده منها.
وكما قال ييجال آلون، نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي، في مؤتمر القدس لأصحاب الملايين اليهود يوم 29 يونيه 1969: "لا يتحقق الأمن الإسرائيلي عن طريق المناطق المنزوعة السلاح ولا بالبوليس الدولي ولا بضمانات الدول أو الهيئات الدولية وإنما بالأرض". ثم يُعرّف هذه الأرض بأنها القنوات (أي قناة السويس) والممرات والأنهار (أي نهر الأردن) والمرتفعات (أي الجولان). ثم يلخص الموقف كله بقوله "إن الأمن يتحقق بالاستيطان بالمسلح". وقد أحرز الاستيطان المسلح في فلسطين قدرا لا باس به من النجاح وبالتالي حصل على قدر من الشرعية أمام يهود العالم وجماهير المستوطنين والعالم الغربي.ولكن ابتداء من حرب عام 1973 بدأ إيمان المستوطنين الصهاينة بـ"العجل الذهبي" – أي الجيش الإسرائيلي– في الاهتزاز ثم في التآكل. ثم جاءت عملية غزو لبنان التي انتهت بانسحاب القوات الإسرائيلية دون أن تحقق ما كانت تهدف إليه، أي "القضاء بشكل نهائي على منظمة التحرير".
ولم تتوقف العمليات الفدائية البتة وكان من أهمها وتاجها عملية قبية التي بينت بشكل لا يدع مجالا للشك أن الذراع القوية لجيش الدفاع (!) ليست قادرة بالضرورة على حماية المستوطنين الصهاينة، وتوفير الأمن المطلق لهم.
ثم جاءت ثورة الحجارة لتبين مدي عجز جيش الدفاع عن القيام بالعمليات الجراحية والضربات الإجهاضية التي تُسكِت الآلام مرة واحدة. وتبعتها انتفاضة الأقصى المسلحة ثم الانسحاب من جنوب لبنان، ثم أخيراً الحرب السادسة، التي فضحت جيش الدفاع الذي ادعى أنه لا يُقهر أمام نفسه وأمام المستوطنين الصهاينة، بل وأمام راعيه الإمبريالي، أي الولايات المتحدة.ويمكن القول إن استمرار الاحتلال في الضفة الغربية وغزة ما يزيد عن أربعين عاما كان من الصعب الدفاع عنه ، باعتباره دفاعا عن النفس. ولذا شهدت القوات العسكرية الإسرائيلية لأول مرة في تاريخها ظواهر احتجاجية مختلفة، جديدة عليها كل الجدة مثل رفض الخدمة العسكرية تماما، أو رفض الخدمة في الضفة الغربية وغزة أو زيادة نزوح أبناء الكيبوتسات، العمود الفقري للمؤسسة العسكرية واحتياطيها الحقيقي، بل زيادة نزوح أفراد من القوات المسلحة ذاتها.وقد أخبرني اللواء حسن البدري –رحمه الله- مؤرخ الجيش المصري، أن الجيش الذي يقوم بقمع عصيان مدني يفقد مقدرته القتالية. ثم أضاف ضاحكاً: ما يحدث هو أن الجندي ينسى كيف يستخدم بندقيته، وإن استخدمها فهو يستخدمها بالمقلوب. ولا يختلف رأي اللواء حسن البدري عن أوري ساجوري (رئيس القوات البرية) حسبما جاء في الجيروساليم بوست (ملحق 30 يناير1988) الذي قال إن استمرار الانتفاضة سيؤدي إلى تزايد فقدان جيش الدفاع للمقدرة القتالية. كما أن الانتفاضة أدت إلى توقف أو تعطيل برامج التدريب، وقد اشتكي احد الضباط الإسرائيليين من أنه لا يقوم بأداء ما دُرِّب عليه ، ولا يقوم بتدريب الجنود ليقوموا بما ينبغي عليهم القيام به ( تايم 15 فبراير 1988).
وأعلن رئيس أركان حرب الجيش الإسرائيلي (عل همشمار 3 يناير 1988، في مقال لآربية بالجي "جنوب أفريقيا وصلت هنا بالفعل "): أن الجيش سيبدأ برنامجا لإعادة تدريب الجنود على طرق حفظ الأمن في المناطق، ويقول كاتب المقال إن هذا يعني تحول إسرائيل إلي جنوب أفريقيا.
والاستنتاج الأخير يهمنا كثيرا، فمن وجهة نظرنا لا يوجد فارق نوعي بين الجيبين الاستيطانيين، ولكن ما يهمنا هو أن الجيش الإسرائيلي سيفقد قدرا كبيرا من مقدرته القتالية بسبب قيامه بالعمليات الأمنية، وهذا أمر معروف لدى المفكرين العسكريين. وقد عبر الأستاذ اسحق غالنور، وهو أستاذ في العلوم السياسية بالجامعة العبرية وضابط احتياطي برتبة رائد في الجيش الإسرائيلي، على ما هو متوقع بقوله: "سيخرج الجنود الإسرائيليون من الأراضي المحتلة وقد نسوا كيفية استخدام البندقية وماسورتها إلى الأمام، بعد أن تعودوا على استخدامها بشكل معكوس في الضرب [نفس ملحوظة اللواء البدري] (وول ستريت جورنال عن القبس 22 ابريل 1988). وقد لاحظ دان راكين ( في مقال بعنوان الجنود يلقون الحجارة وزجاجات الكولا " معاريف 25 فبراير 1988) أنه عندما تزداد كثافة الحجارة يستخدم الجنود نفس سلاح العرب: "يقومون برشق السكان بالحجارة والزجاجات الفارغة".
وقد لخص العقيد عمانوئيل فالد حالة المادة القتالية الصهيونية بعد الانتفاضة الأولى في تقرير له عن الجيش الإسرائيلي قدمه لمكتب وزير الدفاع، ولكنه قوبل بفتور بدعوى أن المقترحات التي يقدمها ليست عملية، وبعد أن وقع عقدا مع مركز الأبحاث الاستراتيجية في إسرائيل لإعداد البحث أُلغِي العقد، ولكنه نشر رأيه في نهاية الأمر في كتابه لعنة الأواني المكسورة – تقرير فالد.
يقول فالد: "إنه ليس أمام إسرائيل من احتمال عسكري في المستقبل إذا استمر الجيش الإسرائيلي يسير في الطريق التي يسير فيها حالياً . ويؤكد أن دولة إسرائيل تعيش في "زمن مستعار" وان مؤسستها العسكرية "تسير نحو الضياع"، وينتقل فالد من التعميم إلي التخصيص فيقول: "إن قادة الجيش يعانون من نقص واضح وظاهر في الاهتمام والفهم والتقنية في الحرب بصفة عامة، وفي الاستراتيجية بصفة خاصة، ويسود بينهم عداء لأي مبادرة في المجال الفكري. وهم يفتقرون إلي التفكير الاستراتيجي السياسي. فهذا جيل من أنصار حكومة التكنوقراط، الذي تحول إلي أداة طيّعة في يد المؤسسة العسكرية".

ثم يشير فالد إلي بعض الظواهر السلبية التي نشأت في السنوات الأخيرة في الجيش الإسرائيلي، مثل "نمو القيادات واتساعها على حساب القوة المقاتلة. فالذي يحظى بأفضلية كبيرة في الجيش الإسرائيلية، فعلا، هو القيادات والخدمات والإدارات المختلفة، وليس المقاتلين، وذلك على حساب السلك المقاتل، الذي انخفضت نسبته في حجم القوات.
وهذا اتجاه عام ومتوقع في كل القوات المسلحة الغربية مع تزايد معدلات العلمنة والاستهلاكية التي تتطلب توفير معدلات عالية من الراحة للمقاتل، خاصة انه عادة ما يخوض حروبا غير أخلاقية الأمر الذي يؤدي إلى تزايد قطاع الخدمات داخل القوات المسلحة.
وقد اتضحت هذه الظاهرة بشكل درامي أثناء الحملة الأمريكية على لبنان والتي تزامنت مع الحملة الأمريكية على جرانادا. وكلا الحملتين كانتا صغيرتين للغاية، ومع هذا اشتكت القيادة العسكرية الأمريكية من أن مصادرها الضخمة مرهقة لأن كل جندي مقاتل يحتاج لكم هائل من الخدمات المساندة وعملية تغطية رهيبة. ولعل هذا هو عقب آخيل في آلات القمع القتالية المتقدمة: أن قمتها القتالية لابد أن تساندها قاعدة ضخمة مركبة يمكن إرهاقها بسرعة نظرا لضخامتها وتركيبيتها.



ويتحدث فالد" عن التكايا الكبيرة في شعبة الطاقة البشرية، وشعبة المخازن والتموين، وحتى شعبة التخطيط. والله أعلم.