الاثنين، أبريل 19، 2010

نصرة الثقافة

يشير التقرير العربي الثاني للتنمية الثقافية الصادر مؤخراً عن مؤسسة الفكر العربي التي يرأسها خالد الفيصل إلى أن المسرح في اليمن "ما زال يستند إلى التراث وفكرة الفرجة والاحتفالية، من دون أن يجد الرابط الجذري بين هذه الاحتفالية والواقع الحالي. ويتركز المسرح في العاصمة صنعاء وفي مدينة عدن ويتراجع وجوده في الأطراف ويتوفر عدد قليل من القاعات المؤلهة للعروض المسرحية أم بالنسبة للتمويل فغالبا ما تتكفل وزارة الثقافة بهذا الجانب".
ما يلفت نظري في محتوى هذا الكلام أعلاه المختصر الوحيد الذي تقريبا ذكرت به اليمن فقط ضمن خمسة ملفات تضمنها التقرير من المعلوماتية، والصحافة الثقافية، مرورا بالتعليم العالي، وانتهاء بالإبداع وحصاد الفكر السنوي، هو ما ذكر في آخره من أن التمويل غالبا ما تتكفل وزارة الثقافة بهذا الجانب، والمعروف أن ميزانية وزير الثقافة أقل بكثير من وزارات غيرها، في حين هناك غياب شبه تام للقطاع الخاص وهو القطاع الاقتصادي الذي يعمل بقوانين اليوم، لكن رجال الاقتصاد عندنا لا يعيرون الثقافة والفنون أدنى اهتمام حتى تلك التجارب هنا وهناك تظل قاصرة ولا تصل إلى مستوى إحداث فعل ثقافي حقيقي يؤثر في مستويات الثقافة والفن في اليمن.
في فرنسا يوجد شيء يسمى «ظاهرة النصرة» والمقصود بها نصرة المشاريع الثقافية، ولا يُفترض بالقطاع الخاص ممارسة هذه النصرة إلا في إطار «الصالح العام» ودن مقابل مادي. ولا تقوم الشركة باستغلال دعمها للثقافة من أجل الترويج دعائيا لها إلا بما يوحي بالتذكير فقط الذي لا يكاد يتعدى إطاراً مربعاً يُعلق على جدار المتحف أو ربما ذكر شعار الشركة المساهمة في التمويل على بطاقات الدعوة.
في الولايات المتحدة أصبحت ظاهرة دعم القطاع الخاص للثقافة والفنون تقليدا عريقا يمارس منذ عقود طويلة، وحتى على المستوى الأوروبي، وتأتي بعدها الدول الأكثر لجوءاً لنصرة الثقافة كألمانيا، بريطانيا وإيطاليا.
بالطبع، لا تقتصر ظاهرة النصرة على دعم الثقافة والفنون فقط لكن تمتد لدعم المشاريع الاجتماعية التنموية، وهي ما يمكن أن نسميها بالمسئولية الاجتماعية للشركات. تأتي مجموعة هائل سعيد في مقدمة هذه الشركات، أما في مجال الثقافة ورغم أن لديها مؤسسة السعيد الثقافية في مدينة تعز إلا أن دعمها لا يتعدى نمطية الفعاليات والندوات المحصورة، ولا تصل إلى إحداث حراك ثقافي حقيقي كجزء من مسئولياتها تجاه المجتمع. بينما لا تقوم الشركات الأخرى بأي دور مقارنة بمجموعة السعيد.
لكن ماذا لو قامت الدولة بتخفيض الضرائب للشركات التي تدعم الثقافة لتشجيعها على نصرة الثقافة؟ فما يحدث في دولة كفرنسا التي يوجد بها أكثر من 6500 شركة تساهم اليوم بفرنسا في إطار عمليات نصرة ورعاية مختلفة، ينص قانون 1 أغسطس (آب) 2003 بحسب تحقيق نشر في صحيفة الشرق الأوسط بعنوان "شارك في صناعة الثقافة الفرنسية" على منح الشركات المساهمة حسماً على الضرائب يقدر بـ %60 وقد يصل إلى %90، حين يتعلق الأمر بدعم الدولة في الحصول على قطعة من التراث المهم. وهو ما شجّع الكثير من المؤسسات على خوض تجربة النصرة. ويأتي قطاع البنوك والتأمين كأكثر القطاعات مساهمة. وقد كانت شركة «أكسا» للتأمين الأولى على رأس القائمة سنة 2007، بمساهمة مادية بلغت 27 مليون يورو، استحقت بها «أوسكار النصرة» الذي تمنحه جمعية «أكميدال» لتشجيع نصرة الشركات الفرنسية.
أقول: إذ تعجز الدولة عن دعم الثقافة عليها أن تشرك القطاع الخاص في ذلك ولدينا عشرات الشركات الخاصة، لا أحد يفكر بالثقافة والفنون وفي دعمها كما أنهم لا يفكرون في مسئولياتهم الاجتماعية تجاه مجتمعاتهم، لكن ربما يفكرون إذا ما قررت الدولة إشراكهم وللدولة طرقها في ذلك.

السبت، مارس 27، 2010

الكتابة



جالس في الغرفة وحدي، ثمة نار هادئة تشتعل في أذني اليسرى من الخارج، وهذا الاشتعال يعني أنني محرج. هل بالإمكان أن أقول: إنني محرج من نفسي مثلاً، عموماً كنت قد أتممت كتابة مقال وعند آخر جملة منه “أما الحظ فلا يقف إلا على جانب أؤلئك الأكثر استعداداً، أشتعلت أذني مباشرة ربما وجهت لنفسي سؤالاً دون أن أدري ، قد أكون فكرت في كيف يمكن أن تنصح الآخرين وأنت لست كذلك لكن صدقوني أنا أعتبر نفسي مستعداً حتى وأنا لا أراه واضحاً بجانبي ، قد اعد بعض ما يحدث لي حظـا لكنه لم يأتِ صدفة على كل حال.مازالت أذني تشتعل، أما ماالذي يمكن أن أضيفه فهو أن البكتيريا في معدتي استيقظت للتو ومع هذا الكائن الغريب تفضل الانبطاح على مكان بارد فكأن أحداً يتسلق فيها وبيده مخرز، القلق قد يؤدي إلى آلام المعدة ، الغضب ، العصبية ، ثم الجوع، وأنا ما أكثر ما أصبت بهذه الأعراض فكل ما حولي يؤدي إليها ، ومنها الوحدة التي ومؤخراً أصبح لدي خبرة كافية للتعامل معها وترويضها.بدأت بالكتابة ، كم أحبها هكذا ببساطة حتى وأنا أعاني منها حين لا أراها جميلة ، قليلاً جداً ما جعلتني أشك في ذاتي هي حريصة على ألا تجعلني أشك فيها لطالما منحتني الثقة فقد وهبتني ان أتحول إلى أي شيء أريده، أقول لكم صدقوني لا يعجزني أن أتحول إلى أي شيء في الكون لا أو د أن أكون حجراً لكني قد أكون، أود أن أكون أشياء لها استخدامات عديدة كشجرة تتوالد مثلاً، قد أتحول إلى نار أو إلى ورق أو إلى خشب إلى باب أو إلى بيت صغير أستطيع أن أتحول إلى حطب. أشعر بدوار خفيف مثل هذا أسبابه معروفة في مثل هذا الوقت أنت تكتب لتغيب أصوات السيارات في الشارع وأصوات مطارق السمكري اللامنقطعة في الجوار . تقوم بعصف شيء ما في ذاكرتك ثم تعود إلى اللحظة وتكرر ذلك كل مرة، ثمة دائرة أنت تسير وفقها لتنتج كل هذا.في حضرتها لا تشعر أنها قد تخونك، فما لا تود أن يراه الآخرون منها سببه معروف أيضاً لقد خانك الزمن والمكان لقد أخطأت في التودد إليها ، لم تكن ناضجة حين قطفتها، ما يعتمل بداخلك حولها أو لحظة أجبرتها على المجيء لا يجعلها تتركك وتمضي. إنتاجك متعلق بمستواك لن يكون اللوم عليها حينها، بدأت تهدأ البكتيريا في معدتي وأذني تعود لدرجة حرارتها الطبيعية، حين قلت: بدأت بالكتابة، لم أكن أعني أنني سأنتهي بغيرها فالكتابة هي الوحدة والأنس في آن واحد وهو ما لا يشعرني بالوحشة. <<<أكتب كي أفجر الأشياء، والكتابة انفجار أكتب كي ينتصر الضوء على العتمة والقصيدة انتصار أكتب كيف تقرأني سنابل القمح وكي تقرأني الأشجار كي تفهمني الوردة، والنجمة، والعصفور والقطة، والأسماك، والأصداف، والمحار نزار قباني

ربما يكون 2010 عاماً للمسرح اليمني


استحق 2008 أن يكون عاماً للرواية اليمنية، والاستحقاق هنا يقاس على حال الرواية اليمنية منذ البدايات.. فقد صدرت قبل عامين 7 روايات، ورشحت رواية منها إلى جائزة عربية وإن لم تمنح. هل يكون 2010 هو عام المسرح ؟ ربما ! لأن الظروف تتوافر مبدئياً لأن يكون العام كذلك ونحن نأخذ التجربة هنا بشكل عام. يبدو واضحاً من متابعة سريعة للنشاط المسرحي منذ عامين وهذا العام بالتحديد ففيما كان مسرح الأربعاء يقدم مسرحيات عادية للغاية، أصبح هذا العام يقدم مسرحيات جيدة إلى حد ما رغم أنه لم يتجاوز فكرة العرض ليوم واحد فقط. فقد تم عرض مسرحيتي “عيال مجانين” و “عائلة محترمة جداً” لفرقة الأمل المسرحية والأخيرة عرضت أيضاً بعد ذلك في عدن. وكلتا المسرحيتين من المسرحيات الجيدة برأيي الشخصي، والفرق التي تؤديها بحاجة إلى رعاية منا فهم يعملون دون دعم من أحد.منذ أسبوع تقريباً عرضت مؤسسة شركاء للتنمية مسرحيتين قصيرتين ضمن “مسرح الأربعاء” برعاية السفارة الأمريكية هما “طيور غادرتها الأجنحة” والمسرحية الصامتة الأخرى “أين أنت الآن” والأخيرة ربما تكون أول مسرحية صامتة تعرض في اليمن إذا لم أكن مخطئاً. كان العرضان مؤثرين رغم حرص الرعاة للعروض على تحميله رسائل مباشرة، والتوجيه للفن فكرة غير موفقة سواء من جهة داخلية أم خارجية فهذا يعني أن نجعل الفن ك “طيور غادرتها الأجنحة” لا تستطيع أن تحلّق بحرية.أيضا ما قد يجعل هذا العام هو عام المسرح إذا عدنا إلى بدايته وهي مسرحية “معكـ نازل” وهي المسرحية المقتبسة من المسرحية الألمانية “خط رقم 1” برعاية البيت الألماني وقد عرضت خارج “مسرح الأربعاء”الفرق بين الرعاية الألمانية والأمريكية أن الأولى لم توجه. لقد عرضت المسرحية لمدة 10 أيام على مسرح المركز الثقافي الألماني وكان الحضور لافتاً كما تم عرضها على قاعة سينما هيركين في عدن لمدة 15 يوماً ولاقت نجاحاً أكبر، كما أن المشاركين في المسرحية كانوا من الفنانين الكبار أمثال هدى حسين وهذا ما يحسب لمخرج المسرحية رئيس فرقة خليج عدن الشاب “عمرو جمال” أنه يستطيع أن يصل الشباب بالقدامى في المسرح. كما أن المسرحية عرضت لأكثر من مرة على قناة السعيدة ولاقت ذات النجاح. هذا العام ستتوجه فرقة خليج عدن إلى ألمانيا بداية يونيو القادم لعرضها في ألمانيا بدعوة من مسرح جريس الألماني والبيت الثقافي الألماني باليمن. وتكون بذلك أول فرقة مسرحية يمنية تعرض أعمالها في دولة أوربية وقد جاءت دعوة فرقة خليج عدن بعد نجاحها ومطابقتها للموصفات الفنية لهذا العمل.يبشر الاحتفال باليوم العالمي للمسرح الذي يصادف 27 من هذا الشهر مارس خلال الفترة من 27 مارس إلى 2 ابريل القادم بخير، في صنعاء وفي عدن حين تعلن وزارة الثقافة هذا العام أن الوزارة ستحاول التنقل في محافظات الجمهورية لعرض هذه الأعمال. كما ستعرض مسرحية ” خارج السرب” للكاتب السوري الكبير محمد الماغوط، والتي يخرجها المخرج هائل الصلوي. . وتحتفي عدن على طريقتها باليوم العالمي للمسرح فتم تدشين أول مهرجان للمسرح الشعبي كما تعرض فرق خاصة مسرحيات وتستعد أخرى، فيجري طاقم مسرحي من إدارة أمن عدن بروفات خاصة للعمل المسرحي “الهوية وخالة صفية” تمهيداً لعرضه أواخر مارس الجاري. وستشارك في العروض 6 فرق مسرحية بأعمال مختلفة. وتقدم في المهرجان مسرحية “كنا وكيف صرنا” لفرقة كلية الهندسة و”شغلني بالغصب” لفرقة كوميدي أستار و”أريد أن اقتل” لفرقة مصافي عدن و”أنا وأخي ومرة أبي” لفرقة فنون عدن و”وحدتنا” لفرقة نجوم اليمن السعيد و”عمل في الشارع” لفرقة خليج عدن .. كما تحتضن خشبة مسرح سينما هيركن بكريتر في غضون ذلك العمل المسرحي “الكوابيس” لفرقة اليمن الحديث من تأليف الكاتب والمخرج المسرحي صابر علي يافعي والذي من المقرر أن يستمر عرضه لمدة أسبوع. . مالا يعني أنه سيكون عام المسرح -لأن النشاط أو النتاج المسرحي هو الذي يعني ذلك لا التكريم- هو ما سيتخلل هذه الفعاليات من تكريم لمسرحيين لكن علينا أن نحسن الظن بهذا التكريم فربما لا يحدث ما حدث العام الماضي من وعود بالتكريم بمبالغ ما ووصل المسرحيون وقد نقصت تلك المبالغ إلى الربع.. مازلنا في الشوط الأول من العام، من الصعب أن نؤكد أن العام هو عام المسرح تبقى 9 أشهر فهل ستلوح النهاية في الشوط الثاني بعد الاحتفال بيوم المسرح العالمي. أم أن وزارة الثقافة قادرة على إثبات أنها أكثر لياقة لتكمل ما تفعل من نشاط ورعاية عندها ربما يكون 2010 عاماً للمسرح اليمني !

السبت، مارس 20، 2010

التي تأكل الجو


لدى الإنسان نزوع نحو أن يكون فاعلاً في محيطه وطالما لم يجد اهتمامه سيقوم بتكييف نفسه في اتجاه يضمن له أن يكون شخصاً نافعاً، وهذا ما يحدث لدينا، أكلت السياسة الجو كما يقال، فأصبحت المجال الوحيد الذي يمكن للجميع فيه أن يقول رأيه وهي المجال الوحيد الذي تسخر له الصحف والمنابر الإعلامية ويتم الاهتمام بها أكثر من اللازم وفي المقابل يغيب، الأدب، والفن، والعلم. أصبح الناس في الجهات المقابلة للسياسة شبه عاطلين، لذا لا غرابة أن يتجهوا إلى المكان الخطأ.صفحات السياسة هي الصحف أجمعها ولا يستخدم الثقافة والأدب والفن إلا كإسقاط واجب أو كمسكنات لا أكثر، وبالتالي لا يوجد هناك وعي بأهمية وجودهما بقسط إلى جانب المجالات الأخرى؛ ليعرف كل شخص منا الدور الصحيح الذي يجب أن يقوم به في حياته، الأديب في أدبه، والفنان في فنه والعالم في علمه، والمفكر في فكره. سيصبح الناس في فسحة وعندها سيكون لديهم ما يخشون فقدانه. لا أدري لماذا تكسب السياسة أصدقاءً جدداً كل يوم ؟ وكان يفترض أن يكونوا محايدين في النظر إليها، فيما يخسر الفن والأدب أهله وأصدقاءه لنستيقظ فنرى الجميع قد توجهوا كلهم إليها ليشعروا بوجودهم. لقد أصبح الأديب يكتب في السياسة وهو يتمنى أن يكتب في الأدب كما يتمنى أن ينتج الفنان فناً والعالم علماً، لا سياسة. لكن أين يجد الوسائل التي تهتم به وبما ينتجه، وأصبح لدى الصحفيين في كتاباتهم نزوعاً نحو الأدب ربما لئلا يشعروا بالفراغ الذي يتركه عدم الاهتمام بالأدب والفن. كيف يمكن ألا نتداوى بعد كل نازلة تنزل بنا على طريقة امرئ القيس قائلاً: “وما أنشد الأشعار إلا تداويا” وكيف للغناء ألا يكون حياة الروح على طريقة أم كلثوم. وكيف لنا أن نصنع شعباً مثقفاً دون أن نهتم بالمسرح والفنون الأخرى فتكون النجدة على طريقة الفرنسية أريان نوشكين:
(النجدة)
‏ أيها المسرح أنقذني!
أنا نائمة فأيقظني
أنا تائهة في الظلمة أرشدني، ولو إلى شمعة
أنا كسولة دعني أشعر بالخجل
أنا متعبة..خذ بيدي
أنا تافهة اضربني
ما أزال تافهة حطم لي وجهي
أنا خائفة شجعني
أنا جاهلة علّمني
أنا متوحشة اجعل مني إنساناً
أنا مدعية اقتلني ضحكاً
أنا لئيمة أربكني
أنا حمقاء غيرني
أنا شريرة أنزل بي عقابك
أنا متسلطة وقاسية حاربني
أنا متحذلقة اسخر مني
أنا مبتذلة دعني أسمو
أنا خرساء حل عقدة لساني
لم أعد أحلم انعتني بالجبن والغباء
أنا ناسية أعد إليّ ذاكرتي
أشعر أني هرمة وبالية أيقظ الطفل الذي بداخلي
أنا مثقلة هبني الموسيقى
أنا حزينة اذهب واجلب لي الفرح
أنا صماء، دع الألم يزمجر كالعاصفة
أنا مضطربة أظهر الحكمة
أنا ضعيفة أجج الصداقة
أنا عمياء أضئ كل المصابيح
أنا خاضعة للقبح هبني الجمال الآسر
استعبدتني الكراهية أعطني بأمرك، كل قوى الحب.
تساعد الثقافة: أدباً وفناً وعلماً على تجاوز الأزمات وعلى حلها وتخفف أيضا من اتجاه الناس إلى كفة واحدة. فيما يفترض أن يكونوا موزعين بشكل عادل. ويتيح الاهتمام بالثقافة والفن والعلم لفئة صامتة تماماً -لا ترى الزمان مناسباً- لتعبر وتلون المكان بألوان شتى، تكون السياسة فيه شيئاً لا كل شيء. فمتى ننتبه ؟

صحيفة الجمهورية

الأحد، مارس 07، 2010

معك نازل

في مسرحيته الأخيرة يثبت المخرج والمؤلف الشاب أنه أجدر من يعبر عن جيله من الشباب ومن هذه النقطة ينطلق في مسرحيته الأولى عائلة دوت كوم. كان جيل الكمبيوتر هو محور قضيته في المسرحية ليتحدث عن الفجوة القائمة بين جيلين هم أبناء تربوا في عصر السرعة، والعالم المنكمش. وآباء أكثر حكمة وتمسكاً بقناعات تربوا عليها. ورغم رابطة الدم إلا أن اختلافات كثيرة تميزهم. ثم يبحث المؤلف عن نقاط اتفاق يفترض أن نتعامل جميعاً على أساسها ففي حال دققنا سنرى أن تلك النقاط هي الأكثر في حياتنا. في “بشرى سارا” وهي مسرحية أخرى ضمن أعماله الخمسة التي بدأ أولها في 2005 يحضر الشباب بمشاكله التي تحيط به، بالقيم التي يحملها سواء عن قناعة أم في تلك التي يفرضها الواقع وتبدو كقناعة: فقد يكون الأمل هو القناعة لكن اليأس يبدو أحياناً لنا كقناعة يفرضها الواقع، وفي مسرحيات عمرو جمال بشكل عام ينتصر الأمل الذي طالما أتى من عقر دار اليأس ليجسد رؤية جيل بكامله وليجسد أيضاً مقصد الفنون خاصة فن المسرح.وتأتي مسرحيته “حلا حلا يستاهل” و “سيدتي الجميلة” المقتبسة عن المسرحية المصرية من بطولة فؤاد المهندس وشويكار في ذات السياق.

في مسرحيته الأخيرة 2009 “معك نازل” -وهي أيضاً مقتبسة عن مسرحية ألمانية- والتي عرضت نهاية العام لـ 10 أيام في المركز الثقافي بصنعاء ولـ 15 يوماً في عدن على سينما هيريكن ولا قت نجاحاً لا فتاً كما هو الحال حين عرضت على قناة السعيدة لمرتين، في هذه المسرحية يظهر صادقاً كما قلت وهو يعبر عن جيله ، ويتجلى الصدق في عمرو وهو يجعل المدينة التي ضمته صغيراً، وضمت حلمه في المسرح شاباً المكان الذي ينطلق منه منحازاً لمسرح الواقع ،ورغم أن المكان الذي يسميه في بداية المسرحية بأغنية استعراضية “صباح الخير ياعدن” إلا أنه ينقل حدثاً قد لا يختلف إلا في الظاهر، فالقصص والحكايات التي تحدث أو ستحدث هنا قد نرى مثلها في كل مكان:موقف باصات سيمر به الجميع كباراً وصغاراً وسيستقل الناس سياراته، وفي تلك المساحة الصغيرة مساحة الموقف قد تحدث قصة حب تنتهي بالأبد، وقد يلتقي الشتيتان ليفترقان مجدداً، وتحمل المسرحية إشارات ذكية تمثل رسالة يؤمن بها المؤلف فيما يخص الفن فهو يسمى شارع الأمل وكافتيريا السعادة ويكرر في أكثر من مشهد “الحياة محطات والشاطر هو من يختار المحطة الصحيحة ليقول: “معك نازل” بالطبع لا يمكن في هذه المساحة الصغيرة أن يتحدث المرء عن مسرحية مهمة كهذه فلي عودة أكبر مساحة وأكثر عمقاً لأقول: مثل هذا الإبداع نريد وفي محطة مثل هؤلاء المبدعين “معك نازل”.


الاثنين، فبراير 01، 2010

يال عدن





المصدر أون لاين

أدهشت بيكين العالم في 8 أغسطس 2008 وهي تقدم لوحة فارهة في افتتاح "أولمبياد بكين" فالشعب الذي صنع حالة سلم لنفسه من خلال تعريف الآخر بقدرته على المواجهة، أبدع افتتاحية فنية طار بشعلتها لا عب كمن يقول : باستطاعتك التحليق في السماء كالطيور إن أنت آمنت بنفسك. لم تكتف الصين بغزو العالم بصناعاتها التي دخلت كل بيت في الأرض فقد أصبح الكتاب الصيني هو الأعلى مبيعا عالميا وأكثر الكتب ترجمة للغات الأخرى. يحرص القادرون على إعمار الأرض بمعاني التنمية على بناء الإنسان وإحياء النفس أما صناعة الحرب فهي الوسيلة الأسهل للبقاء.

ثمة مدن تملك القدرة على الإبهار وإذا كان ثمة مدينة يمنية قادرة على ذلك. كمهمة صعبة لا يجيدها سوى المتجاوزين. فهي مدينة عدن الساحرة الهادئة التي تحتفظ بإرث لم ينضب حتى اليوم. فالمدينة التي مثلت ذات يوم قبلة للطامعين وصناع الموت مثلت قبلة للعمال والحالمين والبسطاء والمحرومين، والمدينة التي استوعبت الطغاة والمتمترسين استوعبت أيضا الثائرين والمحبين وكما استوعبت الأدعياء والمرتزقة فقد استوعبت المخلصين والشهام. اتسعت لكل هؤلاء لتقول لنا أن المدن العظيمة هي التي يوجد كل شيء فيها بقسط.

وبرغم ما مرت به إلا أنها لم تتخل عن وجهها الجميل وروحها المتوهجة، ومازالت تملك نواة لحالة سلم بإمكانها الوصول إلى كل جزء يجاورها. ففي عدن تأسست أول دور عرض للسينما في الجزيرة العربية كانت تضاهي تلك التي في أوربا، وفيها أهم موانئ العالم وفيها كانت "التواهي" أهم منطقة اقتصادية في الشرق الأوسط وفيها أسست أول شركة إنتاج للاسطوانات في الجزيرة العربية. وفيها أنشئ أول المسارح العربية وبها أبدع فن غنائي أصبح منبعا لمحيط أبعد منها، كل هذا التاريخ قد لا يتطلب جهودا كبيرة لإحيائه بل هي فقط عملية إزالة للغبار لا أكثر.
حالة حاضرة اليوم -استدعت كل هذا- قادمة من هناك تتمثل بالفرق المسرحية التي تمتلئ بها عدن. فمنذ ثلاثة أعوام عرفتنا عدن على فرق مسرحية تتعامل مع المسرح باعتباره فنا يصنع الشعوب ويسمو بها. هذه المدينة طالما كانت ولادة بالفن والإبداع والجمال تقدم اليوم رغم الظروف نواة جيدة لمسرح ولمسرحيين جدد يحبون المسرح يقدمونه بدون خوف أو حياء على عكس ما تعودنا عليه في صنعاء وتعز من مسرح لا ينقل الحياة التي هي مزيج من شرائح مختلفة بل ينقل جزءا منها. وهنا دعوة لمشاهدة مسرحية "عائلة دوت كوم" ومسرحية "بشرا سارا" ومسرحية "حلا حلا يستاهل "للمخرج والمؤلف مدير فرقة خليج عدن عمرو جمال ومسرحيته الأخيرة "معاك نازل"، ومسرحية "عائلة محترمة جدا" لفرقة عدن. وكلها مسرحيات قدمها شباب أثر فيهم إرث قديم طمر بفعل الزمن. وهي دعوة أيضا لترك المدينة تقدم نفسها بطريقتها المعتادة بدون عقبات ليزدهر كل ما هو قريب من الروح، وليعم السلام الأرض.

الأحد، يناير 24، 2010

بمناسبة الولاء الوطني


بمناسبة الولاء الوطني

منذ أسبوع تقريبا قصدت وزارة الشباب والرياضة لأبيعها نسخاً من ديواني الصادر مؤخراً "كتف مائلة" رغم استصعابي لمسألة أن تذهب لتبيع كتبك في وزارات سمعتها تفوح بالروتين وبأشياء أخرى، لكن من باب هذه حقوقنا وقناعة لا شيء يعيدنا إلى الوراء سوى الحياء؛ قررت أن أجرب بنفسي فحكومتنا الرشيدة لا تهتم بالكتاب: بنشره وتوزيعه لكنها على الأقل تشجع الكتَّاب لوجه الإبداع لا لشيء آخر وليس علي أن أصدق الإشاعات. وقفت أمام المسئول الجديد في غاية الإحراج وقدمت له الديوان فنفض أوراقه بسرعة وقرأ الورقة المرفقة به المذيلة بـ "كما هو متبع لدى وزارتنا". فيما موظف آخر إلى جواره يقول لقد أوقف الوزير شراء أي كتاب. ويقول المسئول بفتور نريد أن نعرف هل سيرسخ كتابك الولاء الوطني أم لا.. سيتم عرضه على اللجنة، وعزز الموظف بجواره ثقتي بعدم جدوى تجريب المجرب حيث ذكر لي إنهم ارتكبوا خطأ فادحاً ذات مرة حين اشتروا كتبا لأحد الشعراء يذكر فيه الخبز بطريقة تفوح بالمعارضة(على اعتبار أن المعارضة جريمة وأصحابها من دولة شقيقة). كان كتابي عبارة عن مجموعة شعرية أعتقد أنا الفقير إلى الله حاولت أن أقدم فيها جديداً. وبهذه الطريقة نسي المسئول أن يسأل نفسه كيف سيصبح ولائي الوطني بعد هذا اللقاء وهو يتعامل مع الإبداع على مقاس معين في رأسه وتقوم لجنة آخر مرة قرأت الشعر في المرحلة الإعدادية بتقييمه. بمناسبة الولاء الوطني الذي أصبح موضة هذه الأيام حيث أصبح جل من في الحكومة( بقصد حكومي أو غير حكومي) ينظِِّرون له ويتحدثون عن أهميته ! فقد استشعروا فجأة خطر اهتزاز الولاء الوطني لدى الشباب مما جعلهم يقررون تثبيته بابتكارات ووصفات سحرية. فعلى طريقة وزارة الشباب والرياضة أشار أحد كتاب صحيفة الجمهورية أن الوزارة قامت بطباعة كراسات وزعت في المراكز الصيفية الشبابية التي رعتها الوزارة الصيف الماضي هدفها ترسيخ الولاء الوطني بينما أهداف الثورة التي طبعت عليها ينقصها هدف، وهي وصفة تثير تساؤلاً عن قدرتها في رفع نسبة الولاء الوطني في الدم أو في الجيب. بطريقة ثانية، مؤخراً تم إشهار الهيئة الوطنية للتوعية "غير الحكومية"، التي لمسنا أثرها بما نشرته من لوحات ملونة في الشوارع كتب عليها ما يفيد: الوحدة عزنا الولاء للوطن الوحدة نجاة الوحدة أو الموت الإرهاب لا دين له، الوطن في قلوبنا، لا للكهنوت والرجعية نعم للجمهورية. وهكذا أصبح المواطن على قدر كبير من الوعي ويستشعر المسئولون الحكوميون العاملين في منظمة غير حكومية؛ بأنهم فعلوا ما عليهم والباقي على الله !

وصفة ثالثة ترعاها وزارة التربية والتعليم لزرع الولاء الوطني لدى النشء وهي فكرة لا يمكن التقليل من أهميتها، بل نتمنى أن تدار بطريقة مختلفة فصباحاً الساعة 7:30 نستيقظ على إذاعة مدرسية تبثها مباشرة إذاعة صنعاء من إحدى المدارس في المحافظات، وهي مليئة بالولاء الوطني تشعر معها أن الطلاب الصغار الذين يقدمون كلمة الإذاعة يرددون مفاهيم أكبر منهم: التمرد، التخريب، والرمز، والحاقدون، والمرجفون. وهي كلمات يكتبها لها مدرسيهم. تثير الحقد والكراهية لا أكثر. بينما يعود الطالب إلى الفصل بكتب ناقصة وقد لا يجد مدرسين وأرضية المدرسة متسخة والفصول مزدحمة. وهنا كيف يمكن زرع الولاء الوطني في هؤلاء النشء.. ونحن لا نعلمهم كيف يعبرون عن ذواتهم دون تدخل فج منا. كيف يمكن أزرع فيه الولاء الوطني وهو لا يجد ماء نظيفا في المدرسة ولا حمام ولا وسائل تعليمية. وهو لا يغني ولا يرسم. عليه أن يشعر أولا بأنه حقق في وطنه ذاته التي يشاء حيث يجدها في كل ما حوله وبدون تلقين. كيف يمكن للمواطن البسيط الذي لا يحب البيتزا ولا يفهم معنى موفمبيك ولا يعرف من مطعم الشيباني عدا اسمه، أن يترسخ ولاءه وهو يحيى وكل ما حوله يوحي أنه في مزبلة ابتداء من الشارع المليء بالأوساخ إلى المطعم المليء بالصراصير إلى وسائل المواصلات التي ليست سوى شبه مواصلات إلى أماكن الترفيه الشحيحة كالحدائق أو محلات الإنترنت وغيرها مع هذا يدفع مقابل تلك الخدمات المتسخة. أما المسئولون ومنهم وزارة الصحة فيرسلون موظفيهم لا للرقابة والتفتيش بل للعودة بحق القات. كيف يمكن للمواطن أن يؤمن بالوطن وهو يعرف أن أصحاب المخابز يسرقون من قوته بدون عقاب. كيف له أن يحب الوطن وهو يعرف أنه إذا ذهب إلى القضاء ستطلع روحه قبل أن يفصل في القضية وإذا ذهب إلى قسم الشرطة ستطلع عينه ويدفع حق بن هادي وينتهي الوضع بأن التنازل عن الحقوق أهون من الذهاب إلى الحكومة والاستغاثة بها. كيف يمكن للمواطن أن يحب بلده وهو يذهب إلى المستشفيات الحكومية وهي بدون أجهزة ولا أدوات طبية والخاصة وهي تدار بطريقة تجارية تمص دمه، وقد يعود في الحالتين بعاهة أو حالة موت فلا يقف بجواره لا طبيب ولا دولة بل بالعكس لا يقف الأطباء إلا إلى جوار زملائهم أما المواطن المسكين فهو خطأ طبي وارد. كيف لولائه أن يثبت أمام عواصف السياسيين التي تهب كل وقت فبينما هو يموت بحمى الضنك ووزير الإعلام يقول: مزايدات سياسية. كيف للمواطن أن يحب وطنه وكل ما حوله يقول له هذا الوطن ليس لك. ما نحن بحاجة إليه وبشكل ملح هو هيئات توعية للحكومة لا للشعب. فياسادة لنرسخ الولاء الوطني علينا أن نوفر لقمة نظيفة لهذا المواطن وقضاء نزيهاً، وبلدا أنيقا آمناً. عندها سيترسخ الولاء الوطني دون إنشاء هيئات أو لجان للتوعية فلطالما كانت تلك اللجان والهيئات عاملاً لهدم وقلع الولاء الوطني لا لبنائه وغرسه وترسيخه وجميعنا يعرف كيف.

من الديوان: شارع التحرير
مواعيد أخرى نتنبأ بها كلما خاتلتنا
قبل الليل بقليل أحاول أن أستسقي لما يتكدس باتجاهنا ؛
حتى لا تخوننا وصايا أمهاتنا اللامتناهية
وأرتب الزوايا المثلومة كل نهار
- المدينة لم تعد تجدي-
يتكاثر الناس من رحمها ،
والحكومة تتهجانا ، باللامبالاة ،
وتحشر قيئها في أحلامنا.

الثلاثاء، يناير 19، 2010

طه الجند

إن ضاق الحال

إن ضاق الحال
قلنا يارب عليك
من للخائف والمحتاج
النبتة بين الأشجار
الأم إذا طلقها الزوج
الهارب من بطش آخيه
الطائر في رحلته
الريح وراء التل
الماء الواقف في البرد
المتهيب خطوته الأولى
المخبت في ليل من دون غطاء
الضوء الخافت
الباب العالي للقلب
الطامع خلف الأسوار
العالق في القاع
إن ضاق الحال
قلنا يارب عليك
من للمقطوعين سواك

الثلاثاء، يناير 12، 2010

كتف مائلة بين النثر والتفعيلة


أحمد الطرس العرامي
تختلف كل من قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة، في الرؤيا الشعرية والفلسفية التي ترتكز عليها، بالإضافة إلى تقنيات الكتابة، وطبيعة التشكيل اللغوي، والإيقاعي، ومقومات البناء الفني، والاشتغال الرمزي، والتعامل الإبداعي مع اللغة كأداة أساسية يشتغل عليها الشعر، ويدور في فضاءاتها ويتخذ منها مادته الأصلية في الفعل الإبداعي، بحيث تتجلى كلٌّ منهما بطابعها الخاص ومقوماتها الفنية والرؤيوية الخاصة.

وتتنوع نصوص المجموعة الشعرية التي بين أيدينا(كتف مائلة) لمحمد الشلفي، بين كلٍّ من قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة، وإن كنا لا ننكر على قارئ ما أن يلحق نصوص هذه المجموعة بقصيدة النثر، إذ أن ما يميز هذه المجموعة أن الطابع العام الذي تسير فيه نصوصها يكاد يكون واحداً، سواءً من حيث اللغة، أو الأسلوب الشعري إن جاز لنا التعبير، رغم تنوع النصوص بين النثر والتفعيلة، إلا أن الناص استطاع أن يخلق لغة خاصةً به في اشتغالاته الشعرية، لغةً ذات نكهةٍ خاصةٍ سكبها في فضاءات نصوصه الشعرية، هذه اللغة أقرب إلى قصيدة النثر منها إلى قصيدة التفعيلة.

فحين كتب الشاعر نصوصه متخذاً من قصيدة النثر وسيلته في الكتابة والتعبير، فقد حاول أن يكتبها بشروطها وتقنياتها الخاصة، كفن شعري جديد في الرؤيا والفن، بل إنه وهو يكتب قصيدة التفعيلة قد حاول أن يكسبها خصائص قصيدة النثر، ويجترح لهذه القصيدة الملتزمة إيقاعياً (قد نستخدم الإيقاع هنا بمعنى الوزن) مصوغات وجودٍ أخرى من عوالم قصيدة النثر بتقنياتها الجديدة، ورؤياها الإبداعية المختلفة.

ولعل من أهم المرتكزات التي اعتمدها الشاعر في هذا الصدد وتجلت في نصوص هذه المجموعة الشعرية، هي خفوت الإيقاع الذي إن كان نابعاً من طبيعة النص نفسه بالنسبة لقصيدة النثر، باعتبار نسف التفعيلة أو الوزن الخليلي، هو أول شروط قصيدة النثر أو يمعنى آخر أسسها، ومصوغات وجودها، أقول إذا كان الأمر كذلك فإن خفوت الإيقاع يكاد يكون مختلقاً في قصيدة التفعيلة، أو قادماً إليها من خارجها، على يد الناص الذي حاول أن يكتب نصاً قائماً على التفعيلة دون أن تكون هي جوهره الأصلي:
ها أنا أنفى من وطني فتطاردني الأسماء
لأكتب تاريخي بالأسماء
لكني أمحوها حتى تتسع الخارطة عليك
امتلئي بي..
من آخر قرنٍٍ مرَّ هنا عثرت قافيتي
نسي الأصحاب قوافل حلمي وموائد إفطاري
وتحدث أهلي والقرية عني:
كيف أسبُّ الآلهة؟
وكيف أغادرهم وحدي نحو الشمس
لأبحث عن حقي في أن أختار طقوسي؟
فالحب أيا وجعي أكبر...(كم ينقصني قلبك/ الديوان ص:46)

لعل في هذا النص ما يؤكد ما ذهبنا إليه، إذ تسيطر عليه لغة هادئة، ذات نبرة إيقاعية خافتة، رغم تكرار بعض الكلمات والحروف، إلا أن النص ظل خالٍ من الصخب الإيقاعي وظل أقرب إلى النثر منه إلى الوزن، ولعل كونه قائماً على تفعيلة ذات بحر شعري هادئ، قد ساعد على ذلك، وهو بحر المحدث، الذي تخفت إيقاعيته أكثر، حين لا يتساوى عدد تفعيلاته، كما في قصيدة التفعيلة التي لا تلتزم بعدد محدد من التفعيلات كما في العمود، بل تخضعها لعملية توزيع مرنة وفقاً لمستوى الانفعال الشعري، زيادةً ونقصاناً، قوةً وضعفاً، وهو ما تجلى في هذا النص، بالإضافة إلى ما تميز به من لغةٍ هادئةٍ، وألفاظ سهلة كادت تكون أقرب إلى المحكي، أو اليومي، العابر، مما أدى إلى خفوت الغنائية، وتواري الإيقاع الخليلي، أو بمعنى آخر تأخر الوزن أو تواريه خلف اللغة، وبروز اللغة بمضامينها ودلالاتها الإيحائية الشعرية، إلى الأمام، بحيث احتلت المكانة الأساسية في الملفوظ الشعري، وتراجع الوزن ليغدو ثانوياً.

ولعلَّ ما يتصف به هذا النص يكاد يسير أو يشترك معه في ذلك معظم نصوص المجموعة القائمة على التفعيلة، التي من أهم صفات الالتقاء بينها جميعاً، ومن أهم أسباب أو عوامل خفوت طابعها الإيقاعي في الوقت نفسه، هو اعتمادها على تفعيلة هادئة، هي تفعيلة البحر المحدث(فعلن فعلن فعلن...) بالإضافة إلى تفعيلة البحر المتقارب (فعولن فعولن فعولن) بينما تغيب بقية البحور الشعرية ذات الإيقاع الصاخب( كالكامل مثلاً).

ويلعب الشاعر على هذين البحرين، مستعيناً بمقدرته الشعرية، وما يمتلك من تقنيات شعرية، وأساليب فنية، في ترويض هذين البحرين ليصبحا أكثر هدوئاً، وأقل صخباً بحيث يكاد يقترب بهما من لغة النثر المهموسة همساً، والتي تكاد تقوض الغنائية، لتحل محلها السردية، وتنسف الخطابية، بإيقاعاتها المجلجلة، لتحل محلها لغة عاديةً ذات نبرة هامسة تزداد هدوءا وخفوتاً حين تعانق لغة الملفوظ اليومي والعابر...التي تشتغل عليها قصيدة النثر وهي تلقي أضوائها على الهامشي والعادي والعابر.

ونصوص هذه المجموعة الشعرية تتأرجح بين قصيدة النثر، وقصيدة التفعيلة ذات الإيقاع الخليلي، هذه الأخيرة التي ما تنفك تلعب على خيط رفيع بين إيقاعيتها المفترضة، وجنوحها المفتعل نحو قصيدة النثر، ويتجلى هذا ليس في نصوص المجموعة وحسب بل إنه يظهر منذ العتبات الأولى للمجموعة، إذ أن العتبات بدءاً بالعنوان، ومروراً بالعناوين الفرعية للنصوص، والإهداء، وانتهاءً بالتعليقات الشارحة للعناوين الفرعية، تقوم على بنية مزدوجة، أو متأرجحة بين (الوزن -اللاوزن).

فعنوان المجموعة (كتف مائلة) يمكن أن نعتبره جملةً موزونةً تحقق فيها الوزن(كتف مائلة_فعلن فعلن) وكذلك الحال في معظم عناوين النصوص (اللوحةُ الأمُّ- لوجه أبي-أحلامٌ لائقةٌ-لم يتوضأ صديقي بالمساء-جريدةٌ مبتورةٌ- ظلٌّ للظل- كم ينقصني قلبك- تحت ظرف- في المرةِ الأخيرة- اجعل لي آية- إعادة تشغيل- شفاهٌ صغيرة- كتفٌ مائلةٌ) وهي ثلاثة عشر عنواناً من بين خمسة عشر عنواناً، أي أن عنوانين فقط هما اللذان كانا بلا وزن.

وهذا معناه أن هاجس الوزن كان مسيطراً على الشاعر، سواءً أكان ذلك ناجماً عن الوعي أم عن اللاوعي بالنسبة له، وهذا الوزن وإن كان له دورٌ ما في شعرية هذه العناوين، إلا أنه لم يكن جوهرياً، أو عنصراً أساسياً، ترتكز عليه شاعرية هذه العناوين، إذ أنه يكاد يكون مضمراً، أو يمعنى آخر، أنه لم يكن صاخباً وإنما كان هادئاً حتى لا نكاد نميزه أو نلتقطه، إذ لا يمكن إلا لأذن موسيقية مدربة أن تدرك بعده الإيقاعي، وذلك لأن تلك العناوين عبارة عن جمل مبتورة قصيرة، بالإضافة إلى خفوت وقعها الصوتي فيما عدا بعض العناوين مثل ما يحدث بفعل التكرار في(ظلٌ للظلِّ ).

ولهذا فإنها كما قلنا سابقاً، تكاد تكون مبنية على ثنائية، (الوزن –اللاوزن) إذ يمكن عدها موزونةً ويمكن عدها غير ذلك لأن الوزن لم يكن جلياً فيها بحيث يكون ملفتاً، وهذه الثنائية أو الازدواج(الوزن- اللاوزن) تتجلى لنا أيضاً -وإن بشكل آخر- في عتبة أخرى هي عتبة الافتتاح، التي هي الإهداء،-وإن لم يكن هناك عنوان يصرح بأنه الإهداء- إذ جاء على قسمين أو بنيتين هكذا:
إليك: من سيحدثني عن الرقص والأهرامات
ومدنِ الربيع؟
إليَّ:
من أين جئتَ
وهذي الجهات تنوءْ
تبوءْ بإثمك ليلاً على غسقٍ
من كلامٍ وهمسْ
وهذي الصباحات غادرت الصحوَ
عند انبلاج الهوى.

إذ كان المقطع الأول نثرياً بينما كان الثاني قائماً على التفعيلة:(فعولن فعولن) ولعلَّ هذه البداية بالنثر وتقديمه على التفعيلة، سيجيء أول نص في المجموعة ليدعمها حين يكون نثرياً، بحيث يكون ذلك، وكأنه إعادة توازن يظطلع به المتن، في مقابل إيقاعية العتبات، بل إنه ليوحي بأقدمية النثر، على التفعيلة عند الشاعر، وربما يؤكد أو يرجح عفوية الإيقاعية في العتبات، إذ أن الوزن ثانوياً كما يتجلى في طبيعة النصوص وأسلوبها كما يظهر ذلك في المتن، ويؤكده هذا النص حين يبدأ بلا وزنٍ ثم ينتهي بالوزن الخليلي:
(ظلُّ للظل)
ظلٌ متعب
يهمله الصبح على قارعة الدقات المتهالكة..
الأجسام العابرة تتخطاه بسرعة أكبر
والمباني تغيب في الفضاء المشحون..
بما يتبخر من أفواه العابرين
سوف يستعد لظلٍّ كهذا..
يذهب إلى الميدان الواسع
ليستطيع تجريده تماما..
يجلس القرفصاء في محاذاة الرصيف
كبائعة الفل القابعة بجانبه
والنساء (اللواتي) يحاولن الحصول على تأشيرةٍ
للقاء أزواجهن في المجهول...
ها أنا أسألهم عن فستانك
يكسر ما خبأ داخله الواشون هواة الليل
ورجالاً حفروا لي قبل طلوعِ الضوء حديثاً.
لم آبه قبل الموت لأشيائي (من هنا يبدأ الوزن)
ولا لخيوط الفجر تغادرني
لم آبه لمداك المغروسِ بخاصرتي،
ولا لبقايا دمعٍ يغفو من تعبٍ حين يسافر خلف البحر
إلى ما أدري وإلى ما لا أدري.

وأنا أمتد كمعركةٍ تخترق الصمت بلا أعراف
وأقص رواياتي للعشب وعنك..
تحبين اللغة العصرية والمنفى
وتقترحين الوردة
والسفر المحكم
والتاريخ الأزلي إليَّ.
أمتد إلى الغرب شمالاً..
جسدي لا يشبهني
وسرير غواياتي صعبٌ وبلا سابق إنذارٍ
كيف يعيد الكل حكايانا؟
فأنا أدرك معنى أن يحترق الصوت
وأدرك كم ينقصني قلبك!

ولعل التوزيع الطباعي والكتابي قد اختلف في كثير من النصوص، فتجلت بعض تقنيات الطباعة واستخدام الفراغات والبياض، بشكل أكثر في النصوص النثرية، بينما غلب على نصوص التفعيلة طريقة الطباعة المعروفة لدى الكثيرين،
ولعل قصيدة النثر والتفعيلة في هذه المجموعة قد تميزت كلٌّ منهما، بسمات وفروق، لا تتوقف عند الإيقاع أو وجود الوزن من عدمه وحسب، بل تعدتها إلى اللغة والصورة، والتشكيل اللغوي للنص، وإن كان التوقف عند الوزن قد استغرق منا مساحةً كبيرةً هنا، بحيث لم يعد أمامنا سوى الإشارة إلى شيءٍ من هذا بشكل مختزل ومقتضب، وذلك من خلال مقارنة نتركها للقارئ، بين كل من نصين أحدهما تفعيلة والآخر نثري: وهما (نص معادلة)ص54والنص الآخر(اجعل لي آيةً)ص62، حيث اختلفت اللغة وطريقة البناء والدفق الشعري، حيث يمثل النص الأول، أقصى ما تجنح إليه قصيدة النثر من حيث البعد عن الغنائية، والتشكيل اللغوي، وقيام شعرية النص بالارتكاز على مفهوم جديد للشعرية،(اكشاف الشعرية في العالم) بينما يمثل النص الثاني، وإن كان قد اقترب من قصيدة النثر، إلا أنه يكاد يكون عالقاً في فضاءات المفاهيم الشعرية التي كانت عليها القصيدة قبل قصيدة النثر، وهي الغنائية، والذاتية، والإيقاع، والصورة، (إضفاء الشعرية على العالم من خارجه).



الثلاثاء، يناير 05، 2010

أعضاء هيئة التدريس



لا صوت يعلو فوق صوت الفساد والجميع في الأمر سواسية. كل شيء في اللقاء التشاوري الأول للجمعية السكنية لأعضاء هيئة التدريس في جامعة صنعاء الذي أقيم آخر يوم من عام 2009 الخميس الماضي يدل على ذلك، لقد بح صوت أساتذة الجامعة وتعبوا من الوعود و قطع المسافات من مسئول إلى آخر. لكي يحصلوا على قطعة أرض. وليس بكثير على من يبنى ويعلم الأجيال أن يكون مرتاح البال خاليا من هموم كهذه. امتلأت قاعة ياسر عرفات في كلية التجارة بالإحباط واليأس وجلد الذات فالمطالبات بدأت قبل 15 عاما ويزيد ورغم الإنجازات البطيئة خلال تلك السنوات إلا أن إخفاقات هيئة التدريس في الوصول إلى مبتغاهم تتوالى.لكن مالذي حدث مؤخراُ ؟ يقول الدكتور حسان عبد المغني رئيس الجمعية السكنية لأعضاء هيئة التدريس ومساعديهم: استطاعت الجمعية الحصول على قطعتي أرض في شمال وجنوب صنعاء إضافة إلى مخططات الأرض تسلمتها الجمعية بمساحة 11 ألف لبنة في سوق الخميس شارع المطار. وأرض ضبوة بمساحة 33 ألف لبنة. بالتأكيد، تم تسليم الأرض وتمليكها لهم على الورق لكن عمليا اتضح أن أشخاصا يمتلكون مساحة 6 ألف لبنة هذا بالنسبة لأرض ضبوة أما في ارض المطار فعندما ذهبوا لتسويرها حدث تبادل إطلاق نار بين الشرطة العسكرية الملكفة بحمايتهم وأشخاص يدعون ملكية أراض فيها، وبعد مفاوضات وعد على الآنسي مدير مكتب رئيس الجمهورية بحل المنحة التي أصبحت محنة، والسؤال هنا مالذي يجعل الحكومة تقوم بتملكيهم مساحات من الأرض عليها مشاكل مما يجعل أساتذة الجامعة -الذين ليس لدينا الكثير منهم ونحن بحاجة لهم كثروة قومية – معرضون للموت أو للاختطاف من قبل مجاميع مسلحة وربما كانوا فعلا أصحاب حق.هناك قصة غريبة ضمن القصص الكثيرة فيما يخص الأراضي وهي أن الحكومة كانت تفكر الاستفادة من تلك الأراضي المُمَلكة فعلاً لمدرسي الجامعة من أجل إقامة بنى تحتية استعدادا لخليجي 20 إلا أن تقرير الخبراء جاء في صالح مُلاك الأرض فقد أثبت عدم صلاحية المكان لإقامة مباريات كرة القدم.في اللقاء التشاوري، تكلم البعض عن أن منح الأرض خارج حرم الجامعة هو نوع من المماطلة وتعمد إرهاقهم. وقال لنعو ض زملاءنا ممن دفعوا مبالغ في الأراضي ضبوة والمطار ونكتفي بالسكن داخل الحرم الجامعي كمثل أساتذة الجامعة في كل العالم. كما طالب البعض بتنفيذ إضراب حتى يتم حل المشكلة وقيام الجهات المختصة بتسليم الأرض. رئيس الجامعة خالد طميم أنهى اللقاء باستعداده كعضو هيئة تدريس وليس كرئيس جامعة بالوقوف والمطالبة بحقه حتى الرمق الأخير، واختلف مع من يريد يكون سكن الأستاذ الجامعي شقة لا أكثر وهو ما توفره المساحة في الحرم الجامعي بينما توفر الأرض الأخرى مستوى أفضل من السكن مضيفا لقد تعبنا كثيرا ولدينا وعود بحل المشاكل فعلينا بالصبر. وقال بصراحة إذا لم نستطع هذه المرة أن نأخذ حقنا فعلينا الجلوس في بيوتنا. وبعد كلمته انفض الجمع بعد أن انسحب البعض محبطا وبقي البعض ليعبر عن رأيه حتى وإن لم يكن هناك أمل. أما المفارقة الأخيرة، فهي تحايل أستاذ جامعي (بدهاء المتمرس) على حقوق الصحفيين الذين حضروا اللقاء لتغطيته، لا أدري لصالح من؟ صحيح، كيف تطالب بحقوقك وأن لا تمنح الآخرين حقوقهم وهذا سؤال موجه له فهو يعرف نفسه جيدا. وكان الله في عون أساتذتنا المخلصيين.