
هذه الرواية خرجت عن كونها عادية لوفرة صراعها الفكري على حساب الأحداث التي هي أساس مهم ترتكز عليه الرواية التقليدية، كود بلوو رواية بلورت فكرة التسارع الزمني باتجاه الخاتمة لكونها لم تمتد لعمر مكتمل او لأجيال مرتبة على التوالي فأحداثها تولد وتوأد في ساعة زمنية مفردة، وبلا مقدمات تتسع بلغة مدهشة لتبلغ ذروة شسوعها باستحالة ساعتها إلى عام كامل .
وفيها تقول الشاعرة العمانية رقية البريدي:
إِنَّ قَارِئَ " كود بلو " يَسْتَطِيعُ أَنْ يَجْزِمَ مِنَ الْقِرَاءَةِ الأُولَى بِأَنَّ مَرْوَانْ الْغَفُورِي شَاعِرٌ قَبْلَ كُلِّ شّيء ، حَاوَلَ مِنْ خِلاَلِ رِوَايَتِهِ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ شُحْنَة كَبِيرَة مِنَ الْوَجَعِ الْمُغَلَّفِ بالْمَوْتِ مِنْ خِلاَلِ نَصٍّ رِوَائِي ، سَخَّرَ فِيهِ ذَاتُـهُ الْمُوجَعَة لِتَكُونَ الرَّاوِي النَّاطِق بِصُوَرِهِ الشِّعْرِيَة مُجَلِّيًا ذَلِكَ الاضْطِرَاب و الْقَلق النَّفْسِيّ الذِي يَسْكُنُهُ ، و رَاسِمًا لَنَا عَوَالِمَهُ الْخَاصَّة بأُسْلُوبٍ سَلِسٍ و جَمِيل .و أَظُنُّه وُفِّقَ إِلَى حَدٍّ كَبِير فِي اسْتِثْمَارِ ثَقَافَتِهِ الْوَاسِعَة ، و اطْلاَعِهِ الْمُمْتَد ، إِلَى جَانِب تَخَصُّصِهِ الذِي كَانَ مُسَيْطَرًا عَلَى الْمَشْهَد مِنْ بِدَايَةِ النَّصِ إِلَى نِهَايَتِهِ ،
و أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُول أَنَّهُ نَجَحَ فِي تَوْظِيفِ تِلْكَ الالْتِقَاطَاتِ الدَّقِيقَة الْمُتَمَثِّلَة فِي الْمَخْزُونِ الثَّقَافِي ببَرَاعَةِ نَسْجِ الْحَدَثِ ، بِمَا يَجْعَلُهُ يُعَبِّرُ بِحُرِّيَةٍ مُطْلَقَةٍ عَمَّا يُرِيد ، لِنَجِدَ دَفَّتَيْن أَسَاسِيَّتَيْنِ تَتَجَاذَبَانِ النَّصَّ هُمَا : الطِّب و الأَدَب ، فَيُمَثِلُ لَنَا بِطَرِيقَةٍ مَا عَالَمَيْهِ الْمُمَيَّزَيْنِ مِنْ خِلاَلِ الطَّرْحِ الْمُتَبَادَل بِبَرَاعَةِ الْكَاتِب حَيثُ يُدْخِلُ الأَطِّبَاءَ و الشُّعَرَاءَ فِي مَحْكَمَةِ الذَّاتِ الْخَفِيَّة ، و نَجِدُهُ يَنْحَازُ بِنَفْسِهِ للأَدَبِ و الشُّعَرَاء ، حَيْثُ يَصُبُّ سَخْطَهُ عَلى الطِّب و الأَطِبَّاء فِي هَذَا النَّص مُلْتَجِئًا إِلَى الشِّعْرِ و الشُّعَرَاء رُبَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ نَاتِجًا عَنْ شُعُورٍ كَامِنٍ فِي ذَاتِ الكَاتِب بَعْدَ عَجَزَ الطِّبُّ عَنْ إنْقَاذِ حَبِيبَتِهِ ، و رُبَّمَا يَكُونُ دَافِعًا أَيْضًا نَحْوَ الْتَّمَيُّزِ فِي مَجَالِ تَخُصُّصِهِ و هُوَ يَرَى حَبِيبَتَهُ فِي رُوحِ كُلِّ مَرِيضٍ يُعَالِجُهُ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ يَوْمًا . و لَيْسَ غَرِيبًا أَبَدًا أَنْ نَسْتَشْعِرَ ذَلِكَ التَّمَاهِي و الامْتزاج الرُّوحِي بَيْنَهُ و بَيْنَ لَيَال نَبِيل ( سَالِي نَبِيل ) و كَيْفَ اسْتَطَاعَتْ الْقُدْرَة الإِلَهِيَّة الْمُتَجَلِّيَة فِي الْمَوْت أَنْ تَفْصِلَ بَيْنَهُمَا ، لِيَدْخُلَ الْكَاتِب فِي عَوَالِم الذَّات ( الأنا ، و الأنا الأعلى ) ،
و هَذَا التَّقْسيم الدَّقِيق ما هُو إِلاَّ دَلاَلَةُ حُبٍّ رَصين ، جِعَل لَيَال نَبِيل تَسْكُنُ فِي دَاخِلَ الكَاتِب بَعْدَ أَنْ ارْتَقَتْ رُوحُهَا للسَّمَاء ، و هَذَا الاضْطراب النَّفْسِي يَظْهرُ جَلِيَّا عِنْدَمَا تُتَاحُ الْفُرْصَة للكَاتِب أَنْ يَتَحَدَّثَ عَنْ حَبِيبَتِهِ لَيَال بِشَكْلٍ أَوْ بآخَر ، أو رُبَّمَا مِنْ خِلاَلِ السَّيدَة فَيْرُوز التِي كَانَ يَلْجأُ إِلَيْهَا لِتُغَنِّي و تُشْبِعَ ذَاتَهُ الْمُنْتَظِرَة للحُبِّ . إِنّ التَّنُوَّعَ السَّرْدِيّ للكَاتِب ، و التَّنَقُلُّ الْخَفِيّ لَهُ يَجْعُلُنَا نُشَارِكُهُ مُتْعَةَ السَّفَرِ حَتَّى النِّهَايَة ، طَمَعًا فِي أَنْ نَخُوضَ فِي حَيَاةِ مَا بَعْدَ الْمَوْت و مَا قَبْلَ الْحَيَاة الثَّانِيَة ، ثمَّ أنَّ "الْمُنُولُوج" يَشُّدُّنَا لاسْتِكْشَافِ أَشْيَاءَ كَثِيرَة و يَفْتَحُ لَنَا بَابًا وَاسِعًا مًمْتَدًّا لِنَعِيشَ مَعَهُ اللحَظْة التِي يُرِيدُنَا أَنْ نَسْتشْعِرَهَا مَعَهُ بِدَهْشَة و تَشَوُّق .










