أعودُ حزينا لأننـــي أشعر بأعراض الهروب كلما رأيتها . ورغم استعدادي اليومي لهذا اللقاء إلا أنني أٌغلب في النهاية .. يجبرني قلبي على الهروب تباعاً . وتحاصرني الأماكن بكل شيء فيها .. تحدثت مع صديقي عن فشلي في التقرب منها .حتى وأنا أحبس أنفاسي المتلاحقة ... يفضحني وجهــي الخائف
.
كانت هي تقف أمام النهر وبالقرب منها تقف صديقتها الأخرى ...وأصوات الغناء تصدر من المراكب التي ترسو على الشاطئ ، والناس تتوزع بطول النهر . ينتظر البعض مع حبيباتهم ، وينزل البعض إلى المراكب لقضاء بعض الوقت .
أما هي فقد كانت تتفحصني بشدة ، وتحاول لفت انتباهي بنصف ابتسامة ترسمها على شفتيها ... لم يكن يفصل بين نظراتنا إلا أولئك الناس الذين يمرُّون في المنتصف ، فيتولى تفكيرها الدور بعد ذلك . كان لعينيها بريق ، وهدوء ...كلما حاولت مقارنتهما بعيون الأخريات ، من يمرقن أمامي أجدها الأجمل ، ترتدي حجاباً يظهر شعرها الأشقر ...هي جميلة بشعرها الأشقر
.
كنت أحاول أن أصرف نظري وأختلس النظر إليها بين الحين والآخر .لم تكن تعلم بأنني أخاف كثيراً من هذه العيون ، تدوِّخني ولا أستطيع احتمال الإقتراب منها ... سوف أتحول إلى كائن آخر إن أنا اقتربت أكثر ، لكنني مع ذلك كنت أبادلها ابتسامة كاملة وأنا أتحدث إلى صديقي الذي بجواري ، محاولاً ألا أظهر له أنني أبتسم لها . ظلت هي تتحدث إلى صديقتها بينما نظراتها تنتقل إلي .عاد صديقي ينصحني مرة أخرى بأن أفتح قلبي ، وألا أجعل الشروط التي أضعها أمام الحب تعيقني عن ممارسته ..فمثلاً : أنا لا أؤمن بالعلاقات القصيرة ، ولا أؤمن بأن علاقة يمكن أن تقام في لحظة واحدة أو في يوم واحد . فكرت في أنني لو تحديت نفسي وحاولت أن أبدأها ، فإنني لن أكسب الكثير ، وأتذكر عندها أنني لا أستطيع أن أقيم علاقة لا أدري ما نهايتها
...
تخاف كثيراً أيها القلب ..تعال نتخلى عن بعض هذا الخوف ، هاهي الفتاة تبتسم كمن يلمِّح باللقاء .. تنظر إليك كمن يريد التهامك . مازالت كلمات صديقي تلاحقني "جمد قلبك " وكلمات صديقي القديم في حادثة مشابهة وهو يقول لي : لا يكفي أن ترى بعينيك ، لابد أن تتحدث . مؤلم حين لا تستطيع فعل الأشياء ، أما وأنت تستطيع القيام بها وتمتنع عنها بإرادتك فهذا أمر آخر.في هذه اللحظة كان بائع الشيبسي يمر بيننا، وصديقي يحاول أن يشتري منه . وأنا أتجه ببصري إليها ، وكأنني أريد أن أدعوها لنتناول "الشيبسي" سوياُ بينما هي تبتسم وأنا أرد الإبتسامة
.
كنت أريد أن أعرف اسمها ، وأخبرها أنها أجمل من رأيت هذه الليلة ... أعلم أن النظرات المجردة لا تكفي .. وسوف تملٌّ هي من نظراتي وعدم جرأتي الحديث معها ، أعتقد أن تَبادلَ النظرات خطوة انتهت فعاليتها الآن ، فقد مرَّ على بدايتها ما يقارب الساعة . وقد بدأت علامات الإستياء تظهر على وجهها . كأنها تقول لي : متى ستتحرك ؟ حاولت أن أشجع نفسي قليلاً ، وأن آخذ قرار التقرب منها ، والحديث معها كما يتحدث الذين يلتقون أول لقــاء . ثم .... لا داعي للتنبؤ بما سوف يحدث فيما بعد ، لأعش اللحظة وليكن ما يكون . سوف أحاول أن أمرَّ بالقرب منها ثم أبدأ بالحديث معها عن أي شيء ، عن النيل مثلاً أو يمكنني أن أبدأ الحديث بالسؤال عن أسعار المراكب إن أردتُ أستئجارها . أو أي عن شيء آخر
.
كانت نظراتها التي لا تنقطع نحوي ، وتورد خديها .. دليل على أنها لم تمل بعد من الانتظار ، ومازال لديها الأمل في أن أجيء لأحدثها . كنت أنا أستعد بما تعنيه هذه الكلمة للذهاب وتنفيذ ما أفكر به.. والتغلب على الخوف بداخلي من هذه اللحظة ، فهذا يجعلني أحسم الأمر نهائيا
ً .
أحسَّ صديقي ارتباكي فحاول أن يسألني قائلاً : هل هناك شيء . وبينما أرد عليه بـ لا وأنظر إلى الفتاة ..لمحت أحدهم يقترب منها ثم يمسكها بكتفها ..ثم بيدها .. ربما كان أخوها أو والدها أو.... حتى حبيبها ..لم أكن متأكداً ، ما أعرفه أنها زمت شفتيها وهي تغادر متجهة إلى حيث أخاف
.
وأعود حزينا لأننـــي أشعر بأعراض الهروب كلما رأيتها ... ورغم استعدادي اليومي لهذا اللقاء إلا أنني أٌغلب في النهاية .. يجبرني قلبي على الهروب تباعاً . وتحاصرني الأماكن بكل شيء فيها .. تحدثت مع صديقي عن فشلي في التقرب منها .حتى وأنا أحبسُ أنفاسي المتلاحقة ...يفضحني وجهــي الخائف .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق